جثثٌ على طاولة المشرحة
بقلم : سيد حميد عطاالله الجزائري
في مدارسنا لا يُدرَّس العلم، بل يُشنق الكتاب كل صباح. يدخل التلميذ الصفّ كصيادٍ متمرّس، وفي يده قلم ليس للكتابة، بل خنجرٌ دقيق يمزق الصفحة من خاصرتها البيضاء. الكتب على الطاولات ليست أدوات معرفة، بل جثث محنّطة تُسفك دماؤها على مرأى ومسمع الجميع.
أي تعليم هذا الذي يبدأ بقداس ذبحٍ جماعي؟ أصوات الورق وهي تتمزق أشبه بصراخٍ في زنزانة تعذيب. كتب مذبوحة من الوريد إلى الوريد، تُرمى في السلال كما تُرمى الأعضاء البشرية في حروب لا شهود لها. هناك كتب تتلوى كأمٍ ثكلى، وأخرى تصرخ في عزّ يتمها، وأخرى فقدت صوتها واستسلمت لصمت الموت.
التلاميذ؟ يا للعار، ليسوا طلابًا بل وحوشًا صغيرة، وُلدوا في حضن شاشات باردة، لم يعرفوا للكتاب قدسية. ينهشون أوراقه كما تنهش الأسود جثةً في الصحراء. لا لأنهم جائعون إلى المعرفة، بل لأن غريزة القتل تسري في دمائهم منذ الطفولة الأولى، حيث لم يجدوا من يخبرهم أن الكتاب أبٌ، وأن الصفحة وطن.
والمعلم؟ أي معلم؟ إنه قناعٌ من تعب، واقف في زاوية الصف كقاضٍ أعمى، يسمع صوت الجريمة ولا يصرخ. يرى الكتب تتحول إلى أشباحٍ على الطاولات، لكنه يُفضّل تسجيل الغياب والحضور، كمن يوثق أسماء القتلة بدلًا من إنقاذ الضحية.
هذا هو التعليم الميت: كتب مدبوحة، عقولٌ جائعة لم تأكل المعرفة بل أكلت ورقها، معلمون خائفون أو متواطئون، ومجتمعٌ يصرخ طالبًا "علمًا محترمًا" من تحت الركام.
لكن من أين يجيء العلم إذا قُتلت روحه؟ من أين يأتي الاحترام إذا كان أول درس هو إهانة الكتاب؟
إننا لا نربّي أولادنا على حب الكتاب، بل على تشويه الكتاب. لا على حماية المعرفة، بل على دفنها. وحين يكبرون، لا نصبح أمام متعلمين، بل أمام جلادين كبار، يكتبون شهاداتهم على جماجم الكتب.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق