السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
اعجبتني قراءة الأستاذ Lahcen Oumouh
لقصيدة الشاعر الأستاذ علي الميساوي
لقد ٱستعملَ ٱلشاعر ٱلنثري في بناء قصيدته هذه ألفاظاً يسيرةً ، أصاغ بها معانٍ راقيةٍ مؤثرةً ، صوراً شعريةً يمتزج فيها ما هو واقعي أو حاضري بما هو مستقبلي و دلالاتٍ مزيزةً عميقةً للغاية ، بأسلوب سهل و ممتنع ؛ كأنه يروم بذلك تقريب فهم فحوى ٱلقصيدة من كل ٱلقُراء و ٱلمتابعين بمختلف قُراتهم ٱلعقلية .
إنَّ كلَّ هذه ٱلأوصاف ٱلمجازية ، و ٱلصور ٱلشعرية ٱلمؤثرة و ٱلقوية ٱلتي تحبل بها ٱلقصيدة من بدايتها إلى عَقِبِها ما هي إلا كناية عما نعيشه ـ نحن ٱلعرب ـ في واقعنا ٱليومي ٱلمُرِّ ، ٱلمكتظ بكل أنواع ٱلمعاناة و ٱلتألُّم ،و ٱلذي يتقهقر فيه كل شيء من سيء إلى أسوأ يوماً تلو يومٍ لعل غزة بٱلتحديد هي منطلق و صفه لذلك . فضمير ٱلمتكلم ( أنا ) ٱلذي ٱستعمله في قصيدته كلها يرمز به إلى كونه عربي ، أو إلى ٱلعرب كلهم ، أو إلى جسم أمّتنا ٱلعربية بٱلأحرى . يتمثل لنا ذلك بكل وضوحٍ في ٱلسطر ٱلشعري ٱلثاني ٱلقائل : " أتفكك إربا إربا " تلميحاً إلى أن فلسطين قد تم فعلاً فصلُها ٱليومَ عن ٱلجسم ٱلعربي بٱعتبارها أحد أعضائه ، و إنذاراً بأن أعداء ٱلعرب سوف يفصلون غداً بلداً آخرَ عن وطننا ٱلعربي ، ثم يفصلون عنه آخر ، و هكذا دواليك حتى يتمَكّنون من تفكيك جسم أمتنا ٱلعربَية كله بعضه عن بعضٍ ، حتى يصبح وطنُنا ٱلعربي عبارةً عن جُزر متباعدة بعضها عن بعضٍ ، إلى حد أن أعداءهم سيُحيلونَ ٱلعاميات ٱلمحلية مَحلَّ ٱللغة ٱلعربية ٱلفصحى في كل بلد من بلدان وطننا ٱلعربي . حيئذٍ سيتمكنون من تفكيكنا تفكيكاً تاما . و هذا فعلاً ما يخطط له ٱلغربُ منذ عقودٍ خلت . و لست أعتقد أن شاعرَنا هذا يهمّه في شيء أن يصفَ لنا معاناتِه ٱلنفسيةَ أو ٱلعاطفيةَ أو ٱلفكريةَ ٱلتي تعتريه في لحظات وحدته .
يشعر ٱلشاعرُ بذلك كله ، يتصوّره بتأمل و تروٍّ ، فينشأ بين عقله وقلبه صراع عنيف ، جرّاءَ شعوره بأنه مسؤول عن كل هذا ٱلمآل ٱلأليم و ٱلمفْجع ٱلذي آل إليه حالُنا ٱليوم في كل بلداننا ٱلعربية ، و ٱلذي نرى فيه كل يوم عدداً كثيراً يُقتَلون منا ظُلْما و عدواناً بما فيهم ٱلأطفال و ٱلنساء و ٱلعجزة ، و نرى عدداً آخر منا يُهَجّرون من منازلهم أو يُبادونَ أمام أعيُن ٱلعالم و مسامعه ... و لا نرى في بعض بلداننا ٱلعربية سوى أفرادٍ قلائل جدا في بلدٍ عربي واحد أو ٱثنين يعبّرون عن تضامنهم و تعاطفهم معهم تعبيراً لا يخلو من شيء من ٱلخجل أو ٱلجُبن .
و وسط كل هذه ٱلزوبعة ٱلهوجاء ظل ٱلشاعر متشبثا بدينه رغم أن كل ٱلمقدسات ٱلأسلامية لن تسلم من كل ما ينتظرنا . لذلك قال :" أسجد على ظهري " فنحن نرى ٱليوم إسرائيل تمنع ٱلفلسطينيين من أداء ٱلصلاة في ٱلمسجد ٱلأقصى مثلاً ....
يا لها من قصيدة نثريةٍ ! نالت من إعجابي ٱلأدبيِّ قدراً مزيزاً . يُشرفني و يسعدني أن أنتظرَ منه ٱلمزيدَ .
*****
∆∆∆ في وِحدتي أُنْسِي ∆∆∆
في وِحدَتي
أتَفَكّكُ إرَبًا إربًا
و كيف في قسمتي أعدِل؟
الجُثّةُ تَتَوَزّع أرطَالا،
لكنّ العَقل مُشكلتي،
يُقاوِمُني
يُحاجِجُني،
يَرتَدُّ و يَبسُل...
أَتَباعَدُ جُزُرًا،
والمُحيطات تتلقّى بعضًا مِن
كُلّي..
في جزء تستوطن أطيارٌ
وفي أخرى تَنبُت أدغال،
و الموج يُعلي و يُسفِل..
ستَسكنُني ضجّةٌ،
وإليّ يأوي الصّمتُ
و أنا دون مأوى،
والريحُ رأسي تَنتعِلُ
في وحدتي
أخلق لي صَحْبًا،
السُّقمُ والتًيه و الشوق،
و حُروبٌ فيَّ تَشتعلُ...
أشْدو،
والمَدّ والجَزْر طَبلٌ،
و الريح نايِي،
والدمع سُقيِي
و أرتّل آيات الغربة،
وعلى ظَهري أسجدُ،
وبِلا قدمين أنتقلُ...
في وحدتي
أحسب أرزاقي
فإذا أنا قارُون،
نُوقي في إبِطي تَرعَى،
و أغنامي تَرتَع
والذئب يَحرُسها...
والخيل تَضبحُ في كبدي،
والصّدرُ لِلكُلّ إسطبلُ...
و ثَريدُ بالعَسَل نضُج
ومِن قبري صنعوا مائدةً
واجتمعوا كي يَدعُوا
لي بالجنّه،
و يَختلِقوا لي من وِحدَتي
أُنْسًا.....

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق