الاثنين، 25 أغسطس 2025

رجل المرحلة / بقلم / سيد حميد عطاالله

 اليوتيوبر

رجل المرحلة… سيدة العالم
بقلم: سيد حميد عطاالله الجزائري
فجأةً، ومن حيث لا ندري، صار "اليوتيوبر" رجل المرحلة، وسيدة الشاشة سيدة العالم. كيف؟ لا أحد يعرف. لماذا؟ لا أحد يعلم. لكن هكذا هي القوانين: قوانين اللعبة التي لا تشبه القوانين.
كان يُفترض أن يكون رجل المرحلة هو المفكر، العالم، الطبيب الذي يسهر الليالي في المختبر، الشاعر الذي يطحن قلبه ليكتب سطرًا يهزّ وجدان أمة. وكان يُفترض أن تكون سيدة العالم تلك التي تحمل على كتفيها قضايا الأرض، أو على الأقل خبز الأطفال. لكن، ها نحن نكتشف أنّ العالم انقلب رأسًا على عقب: صار رجل المرحلة من يفتح صندوقًا أمام الكاميرا ويصرخ بدهشة مصطنعة، وصارت سيدة العالم من تغيّر ألوان أحمر شفاهها ثلاث مرات في عشر دقائق بينما يتابعها الملايين بانبهار كأنهم يشهدون فتح الأندلس.
إنّه زمن غريب… نعيش فيه على شاشات صغيرة، ونصنع منه أباطرة من ورق. "اليوتيوبر" يملك ملايين المتابعين، لكن لا يملك فكرة واحدة تغير حياة أحدهم. يبيع لنا الضحك المعلّب كما تُباع المعلبات في السوبرماركت: سهلة الفتح، سريعة الاستهلاك، منتهية الصلاحية. ومع ذلك، نشتريها بشغف، وندفع الوقت والعمر مقابل أن نرى إنسانًا عادياً يأكل عشر سندويشات في دقيقة، أو يفتح هديةً لم يرسلها لنا أصلاً.
ألا يثير الضحك أن يصبح رجل المرحلة هو الذي يُتقن فنّ السخرية من لا شيء؟ ألا يثير البكاء أن تكون سيدة العالم هي التي لا تفعل شيئًا سوى أن تعلّمنا كيف نرسم حواجبنا وكأنّها ستغيّر مجرى التاريخ؟
لكن لا تلوموا أحدًا… هكذا هي اللعبة. قوانينها لا تُكتب في الدساتير ولا تُقرّ في البرلمانات، بل تكتبها الخوارزميات. لا تسألوا: كيف صعد هؤلاء؟ لأنّ الجواب الوحيد هو: "الترند". ولا تسألوا: لماذا نشاهدهم؟ لأنّ الجواب الأبسط هو: "لا نعرف ماذا نفعل بوقتنا".
إنها مفارقة مرة: ينهار عالمٌ مليء بالعلماء والمفكرين، بينما نصنع نحن عالماً آخر يقوده "يوتيوبر" يصرخ في الكاميرا "لا تنسوا الاشتراك وتفعيل الجرس!". أهذا هو نداء المرحلة؟ أهذا هو نشيد العالم الجديد؟ أهذا هو الإنجيل الذي تضعونه على الرفوف؟
نعم… رجل المرحلة وسيدة العالم ليسا قادة ولا مصلحين ولا أنبياء. إنهما مجرد وجوه مضاءة بعدسات، تسير خلفهما جموعٌ تبحث عن التسلية لتنسى خرابها. لعبة كبيرة، ونحن فيها القطع الخشبية التي تتحرك دون وعي، نرى ثم ننتقدهم كأننا قضاة وهيأة محلفين يبحثون عن المحتوى الهابط فيرفعونه من حيث لا يشعرون.
هكذا هي القوانين… قوانين اللعبة.
لا تسألوا كثيرًا: كيف؟ لا ندري. لماذا؟ لا نعلم. فقط نفتح الشاشة ونضحك… أو نظن أننا نضحك، بينما يضحك علينا التاريخ في الخلفية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ليتها تعلم / بقلم / عبيد رياض محمد

  ليتها تعلم كتبت القصيد على حرفها كلماتُُ كانت في وصفها فاضت مشاعري في حبها فصرت كأني أسير لها و هام القلب في عشقها يدور كما البدر في فلكها...