‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلسفة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلسفة. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 19 مايو 2025

مازال للحياة بقية / بقلم / ماهر اللطيف

 مازال للحياة بقية

بقلم :ماهر اللطيف
تعالت الأصوات متلألئة ومصدعة من حناجر المتظاهرين يمنة ويسرة مطالبة بتنحية رأس السلطة والإطاحة بها درءا لكل مكروه آخر محتمل بعد أن بلغ السيل الزبى وتغلغلت الديكتاتورية في المجتمع وتفشت، وطفا الظلم على سطح مياه العدل والمساواة، وابتلعت الجهوية المقيتة والعنصرية صفو الوحدة والتضامن والتآزر ونحوها....
وكنت من بين هؤلاء، أصيح، أشجع، أهتف، أرقص، أخطب في من يقفون إلى جانبي لأحفزهم وأدفعهم نحو الانتفاضة والهيجان قبل أن ينصهر تجمعنا في تجمع الثورة والقانون والتأطير والتنظيم وتخطيط الهدف الموحد تحت راية واحدة وسنوها في مكان غير بعيد عن مكان نشاطنا الحالي.
كما كنت أتفحص وجوه الحاضرين و أجسادهم - خاصة منهم النساء اللاتي كن أكبر عدد من الرجال فعلا-، فكنت أرى الممكورة والممشوقة والخرعبة والعطبول والبضّة والعبقرة والهيفاء والغيداء والفرعاء والشموع والبهكنة والبهنانة، وغيرهن -....
كما كنت أصنف الأصوات الخارجة من الحلوق وأقارنها بأصوات الحيوانات - بما أني كنت متعدد الاختصاصات والهوايات كما نقول، أنهكتني البطالة وتلاعب بي القلق والفراغ والتفاهة إلى أن بت ألاحظ كل شيء ولا أقدم أي شيء -، فبلغ مسمعي زئير هذا الكهل وفحيح ذاك الشاب، ضغيب هذه الفتاة وشحيح ذاك المراهق، ضباح تلك المرأة وخوار صديقتها، صهيل أخرى ونهيق من تجاورني....
ومع هذا، فقد تحمست كثيرا - رغم أن صوتي كان عواء وأحيانا زمجرة- وساهمت في إنجاح هذه التظاهرة التاريخية - بالنسبة لكل المشاركين فيها، أو جلهم بأكثر دقة-، أحسست بالعرق والإعياء بعد هذا المجهود المضني، التعب والوهن، ارتخاء الجسد ووهن بعض عضلاته، لكنني لم أتراجع أو أستسلم، بل تماسكت وضاعفت من مجهوداتي من أجل هذه القضية الوطنية المفصلية.
وما زلت أردد مع الجمهور "ارحل، ارحل يا دكتاتور، شعبك غضب وها هو يثور" حتى شعرت بشيء ينسكب من أسفل جنبي الأيسر وألم شديد يجتاحني بغتة لم أشهد له مثيلا سابقا، فلمست المكان برقة وقد تصبب العرق بسرعة البرق وأحسست بارتفاع حرارة هذا الجسد المنهك أصلا، لألحظ أن دمائي تسيل سيلان مياه الأودية والغدران.
صحت عاليا طلبا للنجدة و الإسعاف - ويبدو أن صوتي لم يؤد الدور المطلوب منه بما أنه شح ولم يتجاوز الحلقوم - شعرت بالغثيان وبداية الإغماء، ولم أشعر بشيء وأنا أسقط على الناس قبل أن أفترش الأرض فاقدا للوعي وقد تجمهر حولي هؤلاء بعد أن اتصلوا بالإسعاف واختلقوا القصص و الحكايات طبعا وأصروا على صحتها وحضورهم تفاصيلها، وما إليه من الأكاذيب والإشاعات....
ولم أسترجع حياتي إلا بعد مدة لأجد نفسي محاطا بزمرة من أصحاب الميدعات البيضاء وهذه الآلات الطبية التي تحاصرني من كل جانب، وهذا الألم الشديد الذي ينال من جسدي العليل، ودموع أمي التي بللت يدي وهي تحمد الله وتشكره على سلامتي وتقول بصوتها الحنون الشجي:
- قم بني وارجع بيننا، فقد اشتقنا إليك كثيرا بعد هذه المدة
- (مستغربا، متحاملا على نفسي ومحاولا التغلب على حالتي) ما الذي يحصل هنا أماه؟ أين أنا ولماذا (ورجل طويل القامة - يبدو أنه رئيس هذا الفيلق الطبي- يأمرني بالصمت حفاظا على صحتي وجراحي) ما كل هذا الألم الذي يمزق جسدي؟
- (مقبلة يدي وجبيني ومقاطعة) احمد الله واشكره على كل حال ولا تفكر بشيء الآن، قم سالما وعد لنا أيها البطل...
لكن الطاقم الطبي أخرجها بسرعة من هذا المكان وأوصد الأبواب خلفها وشرع في إنقاذ حياتي حالما فقدت وعيي من جديد فجأة ودخلت في غيبوبة مطولة نسبيا مثل غيبوبتي الأولى - وقد أخبرني الجميع بعدها أني مكثت تسعة أيام في مرحلة أولى و يومين في مرحلة ثانية-...
وبعد أن تماثلت إلى الشفاء وشرعت في استرجاع صحتي وعافيتي - ومازلت على فراش المشفى بعد-، علمت أني تعرضت إلى عملية طعن بآلة حادة (سكين كبير الحجم) على مستوى الكبد الذي تضرر جزء منه، مما استوجب التدخل الجراحي الطبي الفوري لإصلاح ما يمكن إصلاحه، - وقد أشرفت على الموت أكثر من مرة أثناء إجراء العملية الجراحية - جراء محاولة سرقة هاتفي الجوال وبعض الدنانير التي كنت أحملها معي وقتها ساعة الحادثة في جيب سروالي البالي...
كما أخبروني أن الجاني مجهول الهوية - كالعادة- ولم يقع القبض عليه إلى حد الآن، ولم يُعثر أيضا على أداة الجريمة، ولم يشهد على هذه الجريمة أحد من الحضور - أو لم يشأ أن يشهد شاهد أو شهود بذلك-، لذلك وقع قيدها "ضد مجهول" وحُفظت القضية مبدئيا....
وهذا ما جعلني أستحضر حادثة مماثلة وقعت هنا لأحد سكان هذه المدينة منذ سنوات عديدة، حين وقع ضحية اعتداء وحشي سافر وغدر ماكر وطعن غير إنساني بسكين على مستوى الرقبة أودى بحياته على عين المكان، سُجٍّل ضد مجهول وقتها رغم مجهودات وأبحاث أهله والسلط المعنية وغياب الشهود، إلا أن الحقيقة ظهرت منذ أشهر في إحدى سجون هذه الدولة حين اعترف الجاني بجرمه أكثر من مرة في أحلامه - وقد سُجن إثر اقترافه لجرم آخر مشابه لهذا- حين كان يصيح باستمرار ويسرد تفاصيل عملية القتل ويقول باكيا "لم أشأ قتل ابن عمي والله العظيم"، فيستفيق مذعورا ليجد جميع رواد هذه الزنزانة مسمري الأنظار نحوه دون حراك أو كلام - وقد أخبروا السجانين بذلك، وفُتح بحث في الغرض قبل أن يُفتح ملف القضية من جديد بعد بروز هذه المعطيات والاعترافات الخطيرة -
فالحق يعلو ولا يُعلى عليه مهما طال الزمن أو قصر، ولا بد للشمس أن تبزغ أشعتها بعد ظلام الليل وسكونه بما أنه لا تُوجد جريمة كاملة على وجه الأرض، ولا تفرح لمن أخفي شهادة أو آثر الصمت عن الكلام لأي سبب من الأسباب، فسيُسأل عنه حتما يوم الحساب ويُهان على ما أقدم عليه من جرم إخفاء لحقيقة كانت تغير الكثير بالنسبة للجاني والمتضرر وآلهما على حد السواء ....


الأحد، 13 أكتوبر 2024

القومية العربية / بقلم / نبيل عودة

 القومية العربية نهضت بنهج عبد الناصر وتلاشت بغيابه !!

نبيل عودة
تطور القوميات في اوروبا هو نتاج تطور اقتصاد مشترك في إطار جغرافي محدد * نجح عبد الناصر ببعث الحلم القومي العربي على قاعدة التنمية الاقتصادية ومفاهيم الوحدة العربية ومواجهة التحديات السياسية والعسكرية، وقُطع هذا الحلم بوفاته *
نشوء وانتشار الفكر القومي برز كفكر سياسي على أثر الثورة الفرنسية (عام 1789)، والتي على اساسها طرحت المبادئ الجوهرية الرئيسية التي تبنتها فيما بعد الأمم المتحدة بإطار مبادئ حقوق الانسان، وهي العدالة، الأخوة، المساواة، طبعا كشرط لوجود القوميات، وذلك بعد 200 عام من طرح الثورة الفرنسية لتلك المبادئ.
يعتبر هذا التاريخ أيضا بداية انطلاقة تشكيل الفكر القومي وتطور المفاهيم القومية، واسقاط مفاهيم الولاء للحكام والكنيسة من المرحلة الاقطاعية، مرحلة القرون الوسطى، وهنا يمكن ان نلاحظ بداية النهضة الاقتصادية والتطور الرأسمالي الصناعي وتشكيل الحدود السياسية للدول بشكل واضح خاصة في أوروبا.
تشكُل القوميات بمفهومها الجغرافي والاقتصادي عمق تشكيل الدول القومية على حساب الهوية الدينية للقرون الوسطى في أوروبا. لم تتضح الهوية القومية بقوتها في أوروبا في القرن الثامن عشر، فلم يكن عند الأوروبيين الموجودين تحت سلطة النظم الملكية-الدينية فهما للهوية القومية، كعامل اجتماعي، اقتصادي ووطني يتجاوز المفاهيم الدينية التي سادت تحت سيادة وسيطرة حكام مدعومين (ومرضي عنهم) من الباباوات في الفاتيكان. بجانب أنه لم تكن هناك هوية جامعة، وما كان لها ان تنشأ بظروف كون المنتجين عبيدا للأرض، داخل اقطاعيات مغلقة.
كانت السيطرة لنظام الملك أو الأمير والنبلاء والإقطاعيين، بما فيها اقطاعية الفاتيكان، والآخرون (الفلاحين) هم عبيد مقموعين، عمال بالأرض بنسب تكفي بصعوبة لتجديد قوة عملهم. وكان معظم انتاج الأرض يذهب للإقطاعيين والأنظمة الملكية. وهنا نلاحظ بداية انطلاق المهن وبداية نشوء طبقة العمال في الورشات الصناعية، لكنهم عمال بدون ثقافة مهنية او ثقافة عامة، ووضعهم الاقتصادي لم يكن أفضل أو أكثر وعيا من الفئات الفلاحية داخل الاقطاعيات.
الظاهرة الوطنية في اوروبا هي نتاج تطور اقتصاد مشترك في إطار جغرافي محدد. ماركس أكد ذلك وكان مصيبا، نشوء قومية ارتبط بتطوير اقتصاد مشترك داخل منطقة جغرافية محددة، الفرنسي أصبح متعصبا لفرنسا، الألماني لألمانيا، الانكليزي لإنكلترا ودواليك. لكن ماركس ذهب بعيدا بموضوع التحالف الطبقي العمالي العالمي الذي لم تثبت صحته، وصاغ نظريته عن الحتمية التاريخية، حول الصراع الطبقي بين طبقة البروليتاريا والبرجوازية والذي سيقود للثورة البروليتارية وهزيمة البرجوازية واستلام البروليتاريا السلطة وبناء النظام الاشتراكي. نظريته لم تصمد بامتحان التاريخ. وفكر الصراع الطبقي تجاوزته البشرية منذ أواسط القرن العشرين، ولا بد من صياغة جديدة تتعامل مع المعطيات الاجتماعية والسياسية المتغيرة، وملاحظة هامة ان البروليتارية كانت ظاهرة أوروبية لم تنشا خارج أوروبا، ونشؤها له أسبابه الأوروبية التي رافقت التطور الصناعي والتحول الى مجتمعات بدأت تحتل فيه الصناعة مساحات أوسع من الإنتاج الاقطاعي. ان وصف العمال المعاصرين بالبروليتاريا هو مهزلة. تعبير بروليتاريا جاء من الإمبراطورية الرومانية القديمة كصفة للمعفيين من الضريبة بسبب فقرهم. واستعمل ببداية تطور الرأسمالية التي جندت فلاحين معدمين في مشاغلها. بدون وعي طبقي وبدون ثقافة وبدون مهنية.
ان من يكرر شعار "يا عمال العالم اتحدوا" يعيش عقليا بالقرن التاسع عشر. ولم يستوعب بعد ان الطبقة العاملة (البروليتاريا حسب التعبير الماركسي) اصبحت جزءا من مجتمع مدني أكثر اتساعا من الظاهرة الطبقية الضيقة او حتى من الحدود القومية التي سادت اوروبا حتى أواسط النصف الثاني من القرن العشرين. عمال اليوم أصبحوا تكنوقراطيين ومشغلي تكنولوجيا صناعية متطورة، وفئات بمستوى تعليمي علمي وتكنولوجي وقانوني راق جدا، يضاهي الفئات الاجتماعية الرأسمالية ويتجاوزها.
المفاهيم الطبقية تتلاشي وتختفي في المجتمعات المتطورة اقتصاديا. والحدود تتهاوى امام نشوء مجتمع مدني يشمل المواطنين على قاعدة أكثر اتساعا من الحدود الطبقية الضيقة. لدرجة بات من الصعب وصف فئات عمالية بأسلوب عملها بطبقة عاملة، لأن مداخيلها مرتفعة جدا وتوفر حياة ثرية جدا. وهذه ظاهرة تتسع في الصناعة التي ارتبطت بتطور العلوم والتقنيات، ومع تعمق التطور الرأسمالي فرض التطور احتياجات لعمال مهنيين وتقنيين واداريين فاتسع التعليم العلمي والتقني حيث لم يعد العامل مجرد أداة وعضلات، بل عامل مهني يتعامل مع اعقد الأجهزة التكنولوجية. وارتفع مستوى التعليم وباتت فئات عمالية تدير شؤون الدول اقتصاديا وعلميا، ونظام الحكم في العالم الرأسمالي لم يعد اقتصاد وسلطة، بل أضيفت له مع تعمق التطور والتعليم قوة ثالثة فأصبح: اقتصاد، سلطة ومجتمع المدني، والمجتمع المدني يشمل كل الطبقات الاجتماعية وراء رؤية مشتركة ومصالح مشتركة. انتهى عمليا عصر الاقطاع الذي ساد أيضا بداية التطور الرأسمالي. وكل النظريات التي بنيت على أساس تلك المرحلة المتقدمة من نشوء وتطور الطبقة العاملة أصبحت اشبه بكتاب دين انتهى زمنه.
هذا هو الغائب الكبير في المنطقة التي يشملها تعريف العالم العربي. عالم أقرب لبدايات القرن العشرين بتركيبته الاجتماعية والدينية. ووجود اقتصاد وثروة نفطية لم يغير من العلاقات الاجتماعية او يطور طبقة عمالية قادرة على التأثير على أنظمة حكم اقطاعية وعائلية ودينية، اجزم انه لا قومية لها عدا الثرثرة بالانتساب لمصطلح لا يفقهون مصدره ولا تاريخه ولا تحولاته.
عالمنا العربي يفتقد للمعايير الوطنية، وتسوده روح دينية مغلقة حطمت الفكر القومي العربي. وتنتشر فتاوى متناقضة وبعضها غير عقلاني. والمسألة الوطنية تكاد تكون شعارا غير ذي تأثير او قيم واضحة المعالم. ولا ارى تطور وطنية عربية ما دامت الدول العربية متخلفة اقتصاديا وغير متحدة لبناء اقتصاد عربي مشترك، بأسلوب اليابان او الصين الشعبية او حتى روسيا الجديدة. واجتماعيا المجتمع العربي (أقول العربي مجازا) منقسم بين اتجاهات دينية بعضها متعصب ومتطرف يلحق الضرر والدمار بالمجتمعات التي يقال عنها "مجتمعات عربية".
الدين له دور ايجابي مؤثر إذا حث على العلم والتطور الصناعي والتكنولوجي والاعتراف بالحقوق المدنية للمواطنين والمساواة بين الجميع بغض النظر عن التنوعات الدينية والاثنية والجنسية والتعددية الفكرية، وأحيانا مدمر بظاهرة الدواعش، او أي تطرف ايماني ولا أقول ديني.
اللغة ايضا لا تصنع قومية، هي عامل قد يكون مساعدا لتطوير الترابط القومي. ولكن اللغة لا تخلق قومية ولا انتماء قومي. الاقتصاد هو الزنبرك لنشوء القوميات. وبدأ ظهور القوميات مع تقسيم القارة الأوروبية جغرافيا وبدء تطوير اقتصاد داخل الحدود الجغرافية لكل دولة، وتطوير اللغات الخاصة بعد ان كانت اللاتينية هي اللغة السائدة.
لا ارى اليوم قومية عربية، بل قوميات جزئية (محلية)غير متواصلة وغير فعالة الا بالشعارات احيانا.
الانسان الجائع يريد رغيف خبز وليس وطنا او لقبا قوميا.
الانسان المتعصب دينيا يكره كل مختلف عن دينه او له رؤية منفتحة وغير متزمتة على المفاهيم الدينية المتنوعة لنفس الدين. والقومية كما جاء بكتب التعليم السعودية: هي مؤامرة استعمارية صهيونية نصرانية ضد الاسلام. والمضحك ان هذا الفكر لم يمنعهم من التحالف مع الاستعمار (النصراني طبعا) ومع الصهيونية بالسر واليوم بالعلن.
حتى الدول المتطورة اقتصاديا، اي دول النفط، لا يمكن اعتبار اقتصادها اقتصاد انتاجي صناعي. بل انتاج يرعي. نفط تبزقه الأرض ويجري بيعه وهذا ليس اقتصادا صناعيا. والأهم ان مدخولاته تذهب لجيوب السلاطين والأمراء والملوك وكل الفاسدين في جهاز الدولة الفاسد والمتخلف. ولا يجري استغلاله لبناء اقتصاد صناعي وعلمي وتكنولوجي. بناء ناطحات سحاب وشوارع وقصور لن يطور قومية.
بناء الأبنية الشاهقة لا يعني انه يتطور اقتصاد، بل تصرف اموال طائلة ولا اعرف ماذا سيفعلون بهذه الأبنية حين ينتهي عصر النفط / دولة الامارات نموذجا!!
من هنا ما يجري بين اسرائيل والدول العربية، مصر سابقا ثم الأردن واليوم الامارات العربية والبحرين والمغرب والسودان والمخفي أعظم، هو نتاج غياب فكر قومي، وهو فكر لن ينشأ بالإعلام والدعايات بل بالبناء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للإنسان أيضا، فأين نحن من ذلك؟
ان تطوير العلوم وتطوير التكنولوجيات للصناعة والزراعة، وتطوير الابحاث التي تخدم الاحتياجات الملحة للدولة هي الطريق لنشوء دول عربية لها وعيها لقضاياها، وليس مجرد دول تبحث عن حماية المستعمر وحلفائه في المنطقة، هذه مغامرة لها ثمنها عاجلا ام آجلا.
نحن امام ظاهرة انتحارية لعالم يسمى عربيا زورا ولا شيء عربي فيه الا الثرثرة اللسانية والمظاهر التي قرفنا منها لأمراء وسلاطين يمارسون الحكم المطلق والقمع المطلق، ولا يترددون بقتل من يعارضهم حتى خارج بلدانهم، كما جرى مع الخاشوقجي.
ان اغراق الجماهير بالدين ليس تدينا وليس ورعا، بل لشل التفكير وشل العقل وشل ارادة التغيير!!
يؤسفني ان أقول انه في الظروف السائدة فيما يسمى العالم العربي لا أرى فرصا للتغيير وإذا حدث سيجيئ فاسدين جدد بدل الفاسدين السابقين.
حقا نجح عبد الناصر بتحريك الحلم القومي العربي على قاعدة التنمية الاقتصادية ومفاهيم الوحدة العربية، ومواجهة التحديات السياسية والعسكرية لكن غياب عبد الناصر، وصعود قوى قمعت الحلم القومي العربي وفشلت بتعميق النهضة الاقتصادية أسقط جوهر تطور الفكر القومي العربي كأداة لها قاعدة اقتصادية لا يمكن اسقاطها. المؤسف ان التجربة الناصرية قطعت بوفاة عبد الناصر، وصعود قوى انعزالية بفكرها، ساهمت بإضعاف التجربة القومية الناصرية.
اليوم تحدث ردة أكثر خطورة. يحدث استسلام أطراف عربية يغطون على نهجهم بتهريج وتحريض ضد الضحية الفلسطيني في المناطق المحتلة او في معسكرات التشريد التي يحافظ عليها العالم العربي كأنها تحف فنية، وهناك رفض لإعطاء اللاجئين أي حقوق مواطنه تستحق الاحترام، او تحررهم من التركيز المهين بمخيمات فقيرة ومكتظة بالسكان وتفتقد لأسباب النشاط الاقتصادي والدخل، ومعزولة عن محيطها العربي أيضا. مخيمات أشبه بحظائر الدواب!!


فلسفة مبسطة / بقلم / نبيل عودة

 فلسفة مبسطة:

أرسطو والروطوريكا (البلاغة الخطابية)
نبيل عودة
الفيلسوف اليوناني (اغريقي) أرسطو (ولد عام 384 قبل الميلاد واعدم عام 322 قبل الميلاد لانه لم يؤمن بالهة الاغريق) كان تلميذا لأفلاطون، أحد أشهر فلاسفة اليونان القديمة، وارسطو هو أيضا معلم الاسكندر الأكبر. شملت مؤلفات ارسطو العديد من المجالات عدا الفلسفة، مثل المنطق، علم الأخلاق والفكر السياسي والعلوم رغم انه لم يكن يعتبر من العلماء.
تميزت فلسفة أرسطو بالتحليل المنطقي للوصول إلى مفهوم علمي يسمح للإنسان بتعلم أي شيء يلاحظه حوله، واستخدام مبدأ الاستنتاج ليصل إلى المعلومة، هذا المبدأ كان أساس فكرة القياس المنطقي التي وضعها الفلاسفة لاحقاً والتي تقول إن أي حالة يوجد بها الجسم هي نتيجة مجموعة أسباب منطقية أدت للوصول إليها.
كتابات أرسطو كانت على شكل مسودات. صيغ ما يقارب مئتي عمل أغلبهم على شكل مسودات لملاحظاته وأعماله المنهجية. حُفظت أعماله وتم تناقلها بين طلابه إلى أن نقلت إلى روما ليستفيد منها الباحثون، ومن أصل أعماله المئتين لم يصلنا الا واحد وثلاثون عملا فقط.
ارسطو وفن الخطابة:
اعتمد أرسطو على ثلاثة مركبات خطابية مثيرة للفضول:
أ -عبر خطاب يعتمد على المشاعر.
ب -عبر استعارة قصة أو مجموعة أسئلة مثيرة للفضول.
جـ -طرح تجربة حسية، مثلا معاناة مؤثرة، تخلق جوا مؤثرا بخطاب موجه لمشاعر الجمهور الذي يوجه له الحديث أو الخطاب ..
الخطاب (جـ) نجده اليوم في الخطابين السياسي والديني، لكننا لا نجده بنفس القوة والتأثير في الخطاب العلمي أو الثقافي .. الا في الشعر، والشعر حالة خطابية تطورت كوسيلة تأثير مميزة في الثقافة العربية، نلحظ ذلك بقوة فيما يعرف بالشعر المنبري أو المهرجاني، وهو شعر عرفناه في شعرنا أيضا بقوة طابعه السياسي.
من ناحية أخرى عرفت الفلسفة الإغريقية البلاغة الخطابية خاصة في فلسفة أرسطو. أطلق الإغريق على البلاغة الخطابية تعبير "روطوريكا " ويمكن تسميتها أيضا ب "علم الخطابة" وتعني القدرة على الإقناع بواسطة اللغة.
من أهم متطلبات "الروطوريكا" حرية التعبير والتنظيم في مجتمع مفتوح، وهي تعتمد وسيلتان:
أ-الإقناع باعتماد المنطق والعلم ونماذج تثبت الفكرة التي يطرحها المتحدث. هذه حالة قريبة جدا من أسلوب مرافعة المحامي في المحكمة. أو من أسلوب الباحث العلمي الذي يورد إثباتات ملموسة ومؤثرة عبر نماذج علمية لا يمكن دحضها .. إلا من عقول فاتها التطور وبقيت في مرحلة ما قبل التاريخ من حيث قدرتها على التمييز بين الحقيقة والوهم!!
ب -الإغراء -هنا تجري مخاطبة المشاعر بلغة منمقة فخمة بمفرداتها وتركيب جملها، وعبر استعمال الخطيب مؤثراته الصوتية، وبذلك يفرض سيادة شعور جماعي وقناعة جماعية للمجموعة، وهي حالة يعرفها علم النفس الاجتماعي ب "روح القطيع" – أي تسود المجموعة مشاعر وتصرفات وقناعات مبنية على روح التأثر الجماعي وهو بالضبط تصرف يفتقد للوعي الذاتي وتسوده حالة فقدان للوعي الشخصي .. والاندماج بلا وعي مع رد الفعل الجماعي.
أرسى اليونانيين في تراثهم الفكري والفلسفي فن الخطابة. اهتمام اليونانيين بالخطابة كان بسبب ارتباطها بطبيعة الحياة اليونانية التي غلبت عليها المجادلات الفلسفية والسياسية ومساحة الحرية الفردية وإمكانية التعبير عن الرأي الشخصي.
ظهر في اليونان القديمة مجموعة من المتكلمين الذين عُرفوا بالسفسطائيين (Sophos) لتميزهم بالقدرة على الخطابة وقدرتهم على جذب الجمهور لخطبهم والتأثير عليهم وتطور أسلوبهم الخطابي، كل هذا ساهم في تطور الخطابة اليونانية وجعلها مهنة لمن يريد التقدم الاجتماعي.
يعتبر كتاب ارسطو عن الخطابة أول مؤلَّف شامل لعلم الخطابة.
في عصرنا الحديث تطورت "الروطوريكا" نحو الاعتماد على المضمون أو اللامضمون. "الروطوريكا" التي تعتمد على اللامضمون، أي غيبيات وقصص خرافية، هي التي تسود النسبة الأعظم في المجتمعات البشرية بدرجات متفاوتة من القوة .. وبعضها يسيطر بالعنف والإرهاب أيضا ..أو بشرطة دينية كما هو الحال في السعودية ودول جعلت القانون كرباجا على التفكير والإبداع.. تحافظ على المنقول والموروث الخرافي وتعتبره حقيقة مطلقة .. بينما المجتمعات الأكثر رقيا حضاريا هي مجتمعات منفتحة لحرية الرأي والتعددية الثقافية والفكرية .. وبالتالي هي منتجة الحضارة الإنسانية في عصرنا.
فن الخطابة في التراث العربي
عندما عين الخليفة الوليد بن عبد الملك الحجاج بن يوسف الثَّقّفي واليا على الكوفة، اشتهر بخطبة مطلعها:
أَنَا ابنُ جَلَا وطَلَّاعُ الثَّنَايَا
متَى أضَعِ العِمامَةَ تَعرِفُوني
يا أهل الكوفة أما والله إني لأحمل الشر بحمله وأحذوه بنعله وأجزيه بمثله وإني لأري أبصارا طامحة وأعناقا متطاولة ورؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها وكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى تترقرق.
هذا أوان الشد فاشتدي زيم قد لفها الليل بسواق حطم.
هذا المقطع الأول من تلك الخطبة المشهورة.
لكن تبين ان السطرين الأولين اقتبسهم الحجاج من مطلع قصيدة شاعر اسمه سُحَيْم بن وَثيل، أنشدها ردا على من سخروا منه ومن شعره والقصيدة تتميز بفن الخطابة والاثارة:
أَنَا ابنُ جَلَا وطَلَّاعُ الثَّنَايَا
متَى أضَعِ العِمامَةَ تَعرِفُوني
وَإِنَّ مَكَانَنَا مِنْ حِمْيَرَيٍّ
مَكَانُ اللَّيْثِ مِنْ وَسَطِ الْعَرِينِ
وَإِنِّي لا يَعُودُ إِلَيَّ قِرْنِي
غَدَاةَ الْغِبِّ إِلَّا فِي قَرِينِ
وَمَاذَا يَدَّرِي الشُّعَرَاءُ مِنِّي
وَقَدْ جَاوَزْتُ حدَّ الأَرْبَعِينِ
أَخُو خَمْسِينَ مُجْتَمِعًا أَشُدِّي
وَنَجَّذَّنِي مُدَاوَرَةُ الشُّئُونِ
طبعا لا يمكن تجاهل تطور الخطابة الذي رافق ظهور الإسلام، فقد اعتمدت الدعوة الاسلامية على الخَطابة في نشر الاسلام والدفاع عنه وعن مبادئه، وجعلها ضمن الشعائر الدينية، اذ لا تصح الصلاة يوم الجمعة بدون خطبة الجمعة!!
طبعا لا يمكن تجاهل تطور الخطابة مع تطور المجتمعات البشرية ونشوء التنظيمات المختلفة وخاصة الأحزاب السياسية. أيضا نجد ان تطور النظام القانوني، دفع الى تطور الخطاب القانوني، اتهاما او دفاعا. حتى التعليم الجامعي (والثانوي) أضحى يعتمد الى حد كبير على تطوير فن الخطابة (فن عرض المواضيع الدراسية) لجذب اهتمام الطلاب، من هنا نجد معلمين مطلوبين ومعلمين أقل طلبا .. وهذا يؤثر بالتأكيد على نسبة النجاح للطلاب..


ليتها تعلم / بقلم / عبيد رياض محمد

  ليتها تعلم كتبت القصيد على حرفها كلماتُُ كانت في وصفها فاضت مشاعري في حبها فصرت كأني أسير لها و هام القلب في عشقها يدور كما البدر في فلكها...