لا تجالس أنصاف العشاق ، ولا تصادق انصاف الأصدقاء
لم تكن قط اَنصاف الحلول على مستوى مدار تاريخ الاحداث والوقائع البشرية ، جزءا من تشكيل قواعد ومقتضيات قادرة على فظ نزاع ، او اِشباع حاجة ، او اِتقان دور او لُعبة على مسرح الحياة ، فالعمل او التفكير او الابداع او الصٌِدقية او الصداقة ، فإما ان يكون السلوك والفعل كآملا او لا يكون ، اما الاعتماد على اَنصاف الافعال او اَنصاف السلوك ، فلا يمكن تِعدادها عملا متكاملا ، فالعيون التي تحرس فهي عيون يقضة ، اما ان تكون اِحداها نايمة ، والاخرى يقضة، فهذا امر غير ممكن عمليا ،ولا مقبول ادبيا ، لان هذا يمكن اعتباره خللا يترتب عنه المَفسدة البينة والضرر الخطير .
قال حميد بن ثور بن حزن الهلاليّ العامريّ:
ينام بإحدى مقلتيه ويتّقى
بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
فالبيت الشعري له دلالة على شدة الحذر والاحتراس ، اما من الناحية الواقعية فذاك امر لا اساس له من الصحة ، لان مركز الدماغ به منطقة هي التي تتحكم في وظيفة النوم ، وغيرها من الوظائف الجسدية الاخرى ،وليس المُقلتين .
فالعالم العربي ،لا يمكن له وباي وجه من الوجوه ان يكون حاضرا على مستوى ساحة العلاقات الدولية ، سواء فيما بينها ، او على مستوى الدول الخارجية ،وفي نفس السياق غائبا عنها،فهذه معادلة غير مقبولة منطقيا ولا رياضيا،اِعتبارا لكون قواعد مكونات الشي لا يمكن ان تحمل فعلين متناقضين في اٌن واحد فاللون الرمادي ليس ابيضا، وليس اسودا، ولا يمكن نعته بانه يميل الى البياض ابدا ،ولا الى السواد مطلقا،فهو تشكلة ثالثة تحمل مكونات مضادة ، لا يليق تسميتها الا باللون الرمادي .
ان يكون العالم العربي مع ، وضد على مستوى مجلس واحد ،فغير مقبول اطلاقا ، وحتى في مجالس مختلفة ، لا يمكن اعتماده قانونا ،لان هذا الفعل غير مقبول على مستوى العلاقات الدولية ،وحتى على مستوى عمليات البيع والشراء ، بمعنى ان تشتري سلعة من بايع ، وفي نفس الفترة تمتنع عن اداء الثمن ، ولو ان السلعة سليمة ،وليس بها عيب من العيوب المسقطة للبيع ،فحينما يكون الايجاب يتبعه حتما القبول ،لتوضيح العملية اكثر ، حينما يدلي شخص معين رغبته في الزواج من امراة ،فهو يطلب يدها من ولي امرها، وهو ما يسمى بالإيجاب ،او العرض ، وعند قبول العرض من طرف ولي امر المراة ، يسمى رده قبولا .
وفي هذا السياق قال (جبران خليل جبران ) :
" لا تجالس أنصاف العشاق ، ولا تصادق انصاف الأصدقاء ، لا تقرأ لأنصاف الموهوبين، لا تعش نصف حياة ، ولا تمت نصف موت ، لا تختر نصف حل،ولا تقف في منتصف الحقيقة لا تحلم نصف حلم ."
فالاثر القانوني يكون باحدى الصيغ القانونية الصريحة والواضحة، حتى يتم بذلك العقد ، والعالم العربي عليه ان يبدي موقفه صراحة فهو اما صادق ،اوغير ذلك ،اماعملية الاَنصاف فهذا امر غير مقبول،فنصف العشق ليس عِشقا ونصف الحقيقة ليس حقيقة،ونصف الحياة، ليست بحياة، ونصف الاَمل، ليس أملا ،ونصف الطريق لن يوصلك اِطلاقا الى هدفك المنشود.
ويسترسل دايما نفس المفكر والفيلسوف اعلاه ،حيت قال :
" إذا رضيت فعبّر عن رضاك لا تصطنع نصف رضا ،وإذا رفضت..فعبّر عن رفضك..لأن نصف الرفض قبول..النصف هو حياة لم تعشها، وهو كلمة لم تقلها، ابتسامة أجّلتها ، وهو حب لم تصل إليه ، وهو صداقة لم تعرفها..النصف هو ما يجعلك غريباً عن أقرب الناس إليك ، وهو ما يجعل أقرب الناس إليك غريباعنك ،النصف هو أن تصل وأن لا تصل ،أن تعمل وأن لا تعمل ،أن تغيب وأن تحضر..النصف هو أنت، عندما لا تكون أنت.. لأنك لم تعرف من انت. النصف هو أن لا تعرف من أنت..ومن تحب ليس نصفك الآخر.هو انت في مكان آخر في الوقت نفسه !!.."
اِن بلدان العالم العربي حُبلى علاقاته
بانصاف الصراعات ،وبانصاف التضامن، وبانصاف تصفيةالحسابات، وبِاَنصاف المودة والاُخوة،وبانصاف المؤامرة ،والى غير ذلك من لائحة طويلة من المعاملات القائمة على مبدأ عدم الوضوح والشفافية ، وان اللون الرمادي هو الذي يطغى في العلاقات الثنائية التي تجمع بين دول العالم العربي فيما بينها ، وهذا تجسيد حقيقي لمبدأ « إن لم تكن معي فأنت ضدي » الامرالذي يترتب معه تكريس المزيد من فوضى الصراعات والمؤامرات والدَّسائِسَ، وهذا اللون الرمادي هو نمودح من واحد اركان النفاق السلوكي المتوارت تاريخيا من مضمون الاٌية الكريمة:
" إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ."

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق