فخاخٌ ناعمةٌ
بقلم: سيد حميد عطاالله الجزائري
ملكٌ يتربعُ على فخاخه،
فهي ليست مجرد شباكٍ تتدلّى على زوايا الجدران، بل هي خرائط موتٍ مدروسة بعناية، كأنها خطط وزارةٍ سرّية لا تفصح عن أهدافها إلا بعد فوات الأوان. خيوطها ناعمة الملمس، حريرية الوهم، تُقنع الطريدة بأنها في حضن من أمان، ثم ما تلبث أن تتحوّل إلى أغلال لا تنكسر.
العنكبوت كائن صغير في حجمه، عظيم في دهائه؛ هو مهندس بارع في معمار الفخاخ، ينسج بيته بخيوط أشد صلابة من الفولاذ، لكنه يوهمك بأنها أوهن من نسمة عابرة. هو طبيب تخدير يتقن فنّ الصبر، يحقن ضحيته بالانتظار قبل أن يغرس فيها أنيابه. هو قاضٍ صارم يجلس على منصة محكمته الملتوية، لا يحتاج إلى شهود ولا إلى محامٍ، فالحكم جاهز سلفاً: إدانة بالموت المؤجل.
وحين يحين الموعد، يتحوّل إلى جندي شرس، يهاجم بلا صوت، بلا إنذار، كأن الحرب لم تكن سوى لعبة صامتة خطط لها منذ البداية. يلفّ ضحيته كما يلفّ خياله حولها، يغزل لها كفناً أبيض من خيوطه، وكأنه يلبسها بدلة عملياتٍ في مستشفى مظلم، حيث الجراحة ليست للشفاء، بل للوداع.
لا يجرحك، لا يريق دمك دفعة واحدة، بل يسرق حياتك ببطء مدهش، كأنه راهب في طقوسٍ سرّية يتقن الإنشاد المميت. يمتص الدماء بهدوء وسكينة، كأن الأمر كله ليس جريمة، بل عمل فني متقن. هكذا يُمارس القتل كفنّ راقٍ، كجراحة دقيقة، كمعزوفة موتٍ لا تحتاج إلى أوركسترا، بل إلى صمتٍ مهيب.
يقيم العنكبوت طقوسه كما يقيم عازف سيمفوني حفلته؛ يدور حول الضحية بخطوات موزونة، يحرّك مخالبه كأنها أوتار كمانٍ متمرد، يعزف على "غيتار الانتقام" ألحانًا حادة، ثم يوثق الجريمة في الهواء كصحفي متحمّس يكتب تقريرًا بالدم بدل الحبر.
وما إن يسدل الستار على الرقصة، حتى يتحوّل إلى طاهٍ موهوب في مطبخ شبكته. يفرش الخيوط كأطباق لامعة، يقدّم عليها ضحيته طبقا نادرا، يعرف من أين يبدأ الوليمة: من الداخل إلى الخارج، في ترتيب لا يعرفه إلا من تمرّس على طبخ الأرواح.
وعند النهاية، تتحوّل الشبكة إلى مسرح جنائزي، تُعلَّق فيه الجثث كأنها ملاحظات موسيقية معلّقة على مدرّج أسود. ترى العالم كله مصلوبًا بين الخيوط، محكوما بمحكمة عسكرية رميا بالأنياب، حتى يخيل إليك أنك تسمع مرثية كونية تُعزف على وتر واحد: وتر الفناء.
يا له من مرآة للعالم الذي نعيش فيه؛ فالعنكبوت ليس إلا نسخة مصغّرة من حضارة تُتقن التخطيط للموت أكثر مما تتقن التخطيط للحياة، تُبرمج القتل كأنه مشروعٌ استثماري، وتترك ضحاياها مشرنقين بأوهام الحرير، إلى أن يُفرغ آخر قطرة من دمهم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق