السبت، 30 أغسطس 2025

حمّى الكروش / بقلم / سيد حميد عطاالله

 حمّى الكروش

بقلم: سيد حميد عطاالله الجزائري
الكروش… تلك الدول المصغّرة التي تتحرك فوق الأرصفة، تعلن استقلالها عن الجسد وتفرض ضرائبها الخاصة على الرئتين والقلب والمفاصل. بعضها كروي كالأرض، وبعضها مفلطح كالقارات، وبعضها متدلٍ كخرائط جغرافية لا يعرف أحد كيف رُسمت. أصحابها يفاخرون بها كأنها أعلام وطنية، بينما هي في حقيقتها معسكرات للدهون، مخازن للطعام المهرّب من كل مائدة، قنابل صامتة تنفجر ببطء في الداخل.
لكن الأمر لم يعد مجرّد شراهة شخصية، بل تحوّل إلى ظاهرة سياسية–اجتماعية. انظر إلى البرلمان: صفوف من الكروش المذهّبة تحت عباءات رسمية. كل كرشٍ هناك ليست مجرد معدة ممتلئة، بل مشروع قانون مؤجَّل، أو صفقة عابرة للحدود، أو مقعد انتخابي مضمون. كروش السلطة لا تعرف الريجيم، بل تعرف فقط "سفرة عامرة" بقرارات لا تشبع، وبطون لا ترتوي.
كروش الموظفين الكبار، وزراء ومدراء، هي نسخ مصغّرة من خزائن الدولة: منتفخة من الداخل وفارغة من الخارج. بينما كروش الفقراء لا تنتفخ إلا بالخبز اليابس والماء الثقيل، ومع ذلك تُتَّهم بالكسل والتقصير.
لقد صارت الكروش مرآة للطبقات:
– كرش صغيرة، مرتبطة براتب محدود وولائم موسمية.
– كرش متوسطة، دليل على وظيفة مريحة وراتب يكفي "للدهون الأساسية".
– كروش عظمى، برلمانات شخصية، كل طية فيها تمثل وزارة، وكل انتفاخ يمثل صفقة مشبوهة.
إنها ليست مجرد أوزان زائدة، بل رموز للترف والفساد. في دولةٍ يزداد فيها الفقراء نحولًا كلما ازدادت الكروش انتفاخًا، يصبح الفرق بين المواطن والمسؤول فرقًا في حجم البطن لا في حجم العقل.
المطاعم الشعبية والمآدب الرسمية تشترك في صناعة هذه "الثقافة الكرشية". كل وليمة سياسية تنتهي بصور على الشاشات، وبطونٍ تتسع أكثر من قراراتها. وحين يحتجّ الناس على غلاء الأسعار، يخرج لهم مسؤول بكرشه المهيب، يبتسم، ويتحدث عن "الإصلاح الاقتصادي"، بينما بطنه يكذّب لسانه.
حمّى الكروش ليست وباءً غذائيًا فحسب، بل وباء أخلاقي. كرش السياسي ليست نتيجة طعام فقط، بل نتيجة أموال ابتلعتها من حقوق الآخرين. كروش البذخ هي أرشيف الفساد، أرشيف حيّ يتحرّك بثقل ويمشي بيننا كأنّه يجرّ وراءه ميزانية دولة بأكملها.
أليس مضحكًا أن تصبح الكروش أكبر من القوانين، وأثقل من ضمائر أصحابها؟
وأليس ساخرًا أن تتحوّل الرجولة والوطنية والهيبة إلى مجرد "متر ونصف من اللحم المدفون تحت القمصان"؟


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ليتها تعلم / بقلم / عبيد رياض محمد

  ليتها تعلم كتبت القصيد على حرفها كلماتُُ كانت في وصفها فاضت مشاعري في حبها فصرت كأني أسير لها و هام القلب في عشقها يدور كما البدر في فلكها...