التواضع..
رفعة لا يراها المتكبرون
التواضع صفة محمودة تدل على طهارة النفس ونبل السريرة. وهو خلق أصيل في نفوس الكبار بحق، لا يأتي من ضعف، بل من قوة داخلية تعرف أن الكرامة لا تُشترى بالكبرياء، وأن الرفعة لا تكون بالتعالي، بل باللين والاحترام والمساواة.
في زمن تتسابق فيه النفوس نحو المظاهر والتفاخر، يغدو المتواضع كنسمة عليلة تمرّ في هدوء، تنعش القلوب دون أن تحدث ضجيجًا. إنه ذاك الإنسان الذي لا يرفع صوته ليُسمَع، ولا يمدح نفسه لينال التقدير، بل تُنطِقُ أخلاقه ألسنة الناس حبًا وثناءً.
التواضع لا يعني أن يُنكر الإنسان قيمته أو يتنازل عن كرامته، بل يعني أن يعرف قدر نفسه دون أن يزدري الآخرين، وأن يعامل الناس بمساواة دون النظر إلى مناصبهم أو أموالهم أو أنسابهم. فكم من أناس بلغوا أسمى المراتب العلمية أو الاجتماعية، ولم يغيّر التواضع في سلوكهم، بل زادهم وقارًا وهيبة.
وقُدوتنا في ذلك رسول الله محمد صلّ الله عليه وسلم، الذي كان أعظم الناس خلقًا، وأشدهم تواضعًا. كان يجلس حيث ينتهي به المجلس، ويأكل مع الفقراء، ويواسي الضعفاء، ويزور المرضى، ويقف لجنازة يهودي احترامًا لإنسانية الموقف. لم يُقلّل من قدره ذلك، بل زاده شرفًا عند الله والناس.
أما في حياتنا اليومية، فإن التواضع يزرع المودة، ويقوّي روابط المحبة بين الناس، ويُذيب الفوارق التي تصنعها الألقاب والمظاهر. المتواضع محبوب، مُريح القرب، جميل المعشر. يدنو منك دون أن يُشعرك بالدونية، ويَسمعك دون أن يُشعرك بالفضل عليه، ويُشعرك أنك مهم مهما كنت.
وفي المقابل، الكبرياء الزائف يعزل الإنسان عن محيطه، ويجعله سجينًا لصورة متضخمة عن نفسه. وللأسف، ما أسرع ما تهوي هذه الصورة حين تهب رياح الحياة. فالكبر لا يدوم، والمظاهر لا تُغني عن جوهر الإنسان شيئًا.
في الختام، ليكن التواضع زينتنا في القول والعمل، فهو مفتاح للقلوب، وجسر يصلنا بالآخرين على اختلافهم. وكما قيل: (من تواضع لله رفعه) ، فلنبحث عن الرفعة في السجود، لا في التعالي، وفي اللين، لا في الغرور.
… يوسف بوكفوس…

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق