السبت، 8 نوفمبر 2025

البَقَاءِ وَالغِيَابِ / بقلم / رَامِي بَلِيلُو

 فِي أَعْمَاقِ العَقْلِ تُقِيمُ مَدِينَةٌ مِنْ صُوَرٍ مُتَفَتِّتَةٍ

هُنَاكَ تَسْكُنُ الذَّاكِرَةُ كَأَرْمَلَةٍ تُحَاوِلُ أَنْ تُعِيدَ المَيِّتَ إِلَى صَوْتِهِ
وَيَجْلِسُ النِّسْيَانُ عَلَى البَابِ كَضَيْفٍ أَبَدِيٍّ يَعْرِفُ أَنَّهُ سَيَدْخُلُ فِي النِّهَايَةِ
الذَّاكِرَةُ تُبْنِي زَمَنًا مِنْ أَشْلَاءِ الأَمْسِ
وَالنِّسْيَانُ يَهْدِمُهُ لِيُعِيدَ الأَشْيَاءَ إِلَى صَفَائِهَا الأَوَّلِ
بَيْنَهُمَا يَمْشِي الإِنْسَانُ
حَافِيَ الرُّوحِ
يَحْمِلُ تَارِيخَهُ كَجُرْحٍ يَتَنَفَّسُ
الذَّاكِرَةُ وَالنِّسْيَانُ
(فِي جَدَلِ البَقَاءِ وَالغِيَابِ)
بِقَلَمِي
فِي البَدْءِ كَانَتِ الذَّاكِرَةُ ظِلَّ النُّورِ حِينَ لَمَسَ الطِّينَ
وَمِنْهَا خَرَجَ الاِسْمُ الأَوَّلُ مِثْلَ نَفَسٍ يَفْتِّشُ عَنْ وَجْهِهِ فِي المَاءِ
كَانَ النِّسْيَانُ هُنَاكَ
يَتَمَدَّدُ فِي الفَرَاغِ كَصَمْتٍ يَخْتَبِرُ مَعْنَى الوُجُودِ
مِنْ تَلَاقِيهِمَا وُلِدَ الإِنسَانُ
كَأَنَّهُ نَهْرٌ يَسِيرُ بَيْنَ ضِفَّتَيْنِ مِنْ حَنِينٍ وَغُبَارٍ
يُطِلُّ عَلَى مَاضٍ لَا يَرَاهُ
وَيَمُرُّ عَلَى غَدٍ لَا يَعْرِفُ اسْمَهُ
الذَّاكِرَةُ لَيْسَتْ كِتَابًا
إِنَّهَا جُرْحٌ يَتَنَفَّسُ بِالحِبْرِ
وَفِي كُلِّ سَطْرٍ مِنْهَا يَعُودُ العَالَمُ لِيَخْتَبِرَ شَكْلَهُ
وَالنِّسْيَانُ لَيْسَ مَوْتًا
إِنَّهُ نَوْمُ الأَسْمَاءِ فِي لَيْلِ الخَلْقِ
كَيْ يَنْهَضَ الصَّبَاحُ مِنْ رَمَادِهِ خَفِيفًا
كَمَا يَنْهَضُ الإِلَهُ مِنْ فِكْرَةٍ مَجْهُولَةٍ
الذَّاكِرَةُ تُثْقِلُ الخُطَى
لَكِنَّهَا تُضِيءُ الطَّرِيقَ لِمَنْ لَا يَخَافُ العَتْمَةَ
وَالنِّسْيَانُ يُخَفِّفُ الجَسَدَ
لَكِنَّهُ يَتْرُكُ فِي العَيْنَيْنِ فَرَاغًا يُشْبِهُ المَدَى
كَأَنَّ كِلَيْهِمَا مَوْجَةٌ
وَاحِدَةٌ تَحْمِلُ السَّفِينَةَ
وَأُخْرَى تَبْتَلِعُهَا لِتُعِيدَهَا إِلَى البِدَايَةِ
فِي دَاخِلِي يُقِيمُ الاِثْنَانِ
أَحَدُهُمَا يَبْنِي بَيْتًا مِنْ أَصْوَاتٍ لَمْ تَعُدْ لِي
وَالآخَرُ يَهْدِمُهُ كَيْ أَسْتَطِيعَ المَضِيَّ
أَحْيَانًا أَرَى وَجْهِي فِي زُجَاجِ الأَمْسِ
فَأَمُدُّ يَدِي لِأَمْسَحَ الغُبَارَ
فَأَكْتَشِفَ أَنَّنِي أَمْسَحُ نَفْسِي
الذَّاكِرَةُ تُنْبِتُ الحَنِينَ كَعُشْبٍ فِي حِجَارَةِ القَلْبِ
وَالنِّسْيَانُ يَقْتَلِعُ الحَنِينَ لِيَزْرَعَ مَكَانَهُ هَوَاءً
كُلُّ مَا نَحْفَظُهُ يَذُوبُ
وَكُلُّ مَا نَنْسَاهُ يَعُودُ فِي شَكْلٍ آخَرَ
كَأَنَّ الخَلْقَ دَائِرَةٌ تَتَنَفَّسُ بَيْنَ قَبْضَتَيْنِ
قَبْضَةٍ مِنْ نَارٍ
وَأُخْرَى مِنْ نَسِيجِ الضَّوْءِ
أَنَا لَسْتُ ذَاكِرَةً وَلَا نِسْيَانًا
أَنَا مَا يَحْدُثُ بَيْنَهُمَا حِينَ يَصْمُتُ الوَقْتُ
وَتَغْدُو الحَيَاةُ خَيَالًا يَسِيرُ فِي جَسَدٍ يَتَذَكَّرُ أَنَّهُ مِنْ تُرَابٍ
فِي لَيْلٍ بَعِيدٍ
تَتَفَتَّحُ فِي دَاخِلِي صُوَرٌ بِلَا أَسْمَاءٍ
وَأَسْمَاءٌ بِلَا وُجُوهٍ
كَأَنَّ العَالَمَ يُعِيدُ نَفْسَهُ لِيَعْرِفَ أَنَّهُ لَمْ يَبْدَأْ بَعْدُ
كُلُّ مَوْتٍ ذِكْرَى
وَكُلُّ حَيَاةٍ نِسْيَانٌ مُؤَجَّلٌ
وَالكَوْنُ ذَاتُهُ
رُبَّمَا هُوَ ذَاكِرَةُ اللهِ حِينَ يَحْلُمُ بِنَفْسِهِ
النِّسْيَانُ لَا يَقْتُلُ الذَّاكِرَةَ
بَلْ يُكْمِلُهَا
كَمَا يُكْمِلُ اللَّيْلُ النَّهَارَ حِينَ يُغْلِقُ العَيْنَ كَيْ تَرَى الرُّؤْيَا أَبْعَدَ مِنَ الضَّوْءِ
بِقَلَمِي
رَامِي بَلِيلُو ٠٠٠هُولَنْدَا


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ليتها تعلم / بقلم / عبيد رياض محمد

  ليتها تعلم كتبت القصيد على حرفها كلماتُُ كانت في وصفها فاضت مشاعري في حبها فصرت كأني أسير لها و هام القلب في عشقها يدور كما البدر في فلكها...