مَجد الشّمس/ سليمان دغش
(إلى أرواح شهداء الطُّفولةِ في مجزرة مجدل شمس)
أستَيقِظُ كلَّ صباحٍ كالأطفالِ، أراقبُ مندَهشاً
كالطِّفلِ العَفَوِيِّ شروقَ الشَّمْس السّاحِرَ عندَ الفَجْرِ الأوَّلِ
قَبَساً منْ نورٍ يوقِدُ نوراً في النَّفسِ فَتَزهو، مَنْ يَتَحَدّى
نورَ الشَّمسِ إذا ما اجتمَعَ النورانِ معاً، نور العينَينِ
ونورٌ يَتَلأْلأُ في أعماقِ النَّفس، فَتُشرِقُ في داخِلِنا شَمسٌ
لا تُطْفِئُها الريحُ ولا يَحْجُبُها الغَيمُ العابِرُ في مرآةِ الرّوحِ
ليرسُمَ قَوساً قُزَحِيّاً يوحي أنَّ الصَّحوَ قريبٌ مِنّا،
يا صَحواً غادَرَ مثلَ طُيورِ النّورَسِ كلَّ شواطِئنا المَحمومَةِ
بَينَ المَدِّ وَبَينَ الجَزْرِ فَمَنْ أغلَقَ بوّاباتِ البحرِ وألقى الحَبلَ على
غارِبِهِ للموجِ ليَكتَسِحَ الشاطِئَ خوفاً منْ أجنِحةِ نَوارِسَ تَبْحَثُ
عَنْ مهجَعِها تَحتَ الشَّمسِ فأعياها البَحرُ، الحَرُّ ولمْ تَستَسلمْ أبداً
أتساءَلُ: مَنْ أيقَظها مِنْ غَفوَتها الليليّةِ كيْ تُعلنَ
بدءَ نهارٍ آخَرَ للتَّوِّ وَتَطْوي وإلى أبَدٍ آخِرَ صَفَحاتِ كِتابِ الأمسْ
ثمَّةَ أطفالٌ في عُمْرِ الوَرْدِ وَطُهْرِ الطّلِّ التَمّوا في
ملعَبهمْ ليُحَيّوا الشَّمسَ، تَجَلّتْ كالأيقونَةِ تلمَعُ كلّ صباحٍ
لتُعَمِّدَ بالنّورِ الأزَليِّ بَياضَ الثَّلجِ على قَدَمَيكِ الحافِيَتينِ
كَمشطَينِ مِنَ اللؤلؤِ يا مجدَلَ شَمسْ
لمْ يخشَ الأطفالُ بِرَغمِ الحَربِ فمَنْ يجرؤُ أنْ يَخْدِشَ طِفْلاً
بِبَراءَةِ عُصْفورٍ يَحْرُسُه اللهُ وَيَلهو تَحْتَ سَماءٍ زَرْقاءَ،
لِكُلِّ النّاسِ، يُداعِبُ بأصابعِهِ البيضاء ضَفائِرَ لَمْلَمَها
مِشطُ الرّيحِ وحّناها النورُ الأشقَرُ فوقَ جبينِ الشَّمسِ
وهلْ حَلُمَ الأطفالُ بِغَيْرِ النّورِ تَجَلّى كُلَّ صَباحٍ مِثلَ إلهٍ
وَرَمى شالَ النورِ على الدُّنيا وفضاءٍ أزرَقَ
أبعَدَ من أبعَدِ أبعدِ حدٍّ يمكِنُ أنْ يُدرِكَهُ حتَّى في الحُلْمِ
خيالُ الطِّفلِ، ليَعلَمَ أنَّ سماءَ اللهِ، وإنْ كانَتْ، أبعَدَ
منْ رؤيَتِهِ ورؤاهُ فإنّ اللهَ قريبٌ جداً مِنهُ
وأقرَبُ منْ أقرَبِ أقربِ قربٍ أو أقرَب
كانَ الأطفالُ بأوجِ الفَرحَةِ يعْدونَ بِخِفَّةِ أجْنِحَةِ فراشاتِ
الصَّيفِ وراء الطابَةِ في ملعبِهم،
ضحكاتُ براءَتِهمْ تَملأُ أجْواءَ المَلعَبِ وتهدهِدُ أصداءً
بينَ أزِقَّةِ مجدَل شمس، تَحْمِلُها الرّيحُ على كَتِفيها الضَّيْقَتَيْنِ
الواسِعَتَيْنِ، فإنَّ الرّيحَ إذا شاءَتْ ضَيَّقَتِ الكَتِفَيْنِ
إلى أقصى حَدٍ كيْ تَدخُلَ خُرمَ الإبرةِ، لو شاءَتْ.
تَعلو الضَّحِكاتُ على كَتِفِ الرّيحِ إلى قمَّةِ جَبَلِ الشَّيخِ
فمَنْ يَسْمَعها غيرُ اللهِ وَسِربُ عَصافيرَ يُحَلِّقُ فَوْقَ طريقِ العَوْدَةِ
في اللاعودَةِ، يَستَقرِئُ نَبضَ الرّيحِ الشَّرقِيَّةِ، منْ يدري
فالأفقُ ضبابيٌّ وتَكادُ الرؤيَةُ في الرؤيا أنْ تَهوي كالسَّهمِ الخاطِئِ
في مَجْدَلَ شمسْ
ما فَتِئَتْ ضَحِكاتُ الأطفالِ تُهدهِدُ أجْراسَ كنائِسَ
توحي بالحُزنِ وتنذِرُ بالخَطَر ِالقادمِ، حَتّى سَقَطَ الصّاروخُ
على الأطفالِ مُباشَرةً، فتطايَرَ لحْمُ الأطفالِ، عظامُ الأطفالِ،
قلوبُ الأطفال، عيونُ الأطفال، دماءُ الأطفالِ وأرواحُ الأطفالِ الشُّهداءِ
كأنَّ الأرضَ تُزلزِلُ زَلزَلةً فاقَتْ أعلى الدَّرَجاتِ
على سُلَّمِ ريختِرَ، تَنكَسِفُ الشَّمسُ ويَبكي حتّى اللهُ
فتَعلو الآهُ وراءَ الآهِ وبَعدَ الآهِ وَقَبلَ الآهِ
وهلْ يَبكي اللهُ سِوى مَوتِ الأطْفالِ، لعمري إنَّ الصَّخرَ ليبكي
مِنْ هَوْلِ المَشْهَدِ، هَلْ بَكَتِ الصَّخرةُ يوما؟
لمْ تَبكِ الصَّخرَةُ إلّا في مَجدَلِ شَمسْ
فبلَ قليلٍ كانوا في الملعَبِ ضجَّ الملعَبُ بالضَّحِكاتِ وبالصّيْحاتِ،
تجَلّى في أبهى صورتِهِ الفَرَحُ العَفَوِيُّ فوَيحَكَ يا شيطانَ الحَربِ
قتَلتَ الناسَ جَميعاً في كَبسَةِ زِرٍّ أحمَقَ
كانوا في الملعَبِ أحياءً: حازِمُ، فَجرُ، أميرُ وجوني
إيزيلُ وفِينيسُ وألما، يَزَنُ وناجي، ناظِمُ، ميلارُ وجيفارا
كمْ جيفارا سَيَموتُ شهيداً يا أَرْنِستو تشي جيفارا
كيْ يَنْعَمَ كُلُّ الأطْفالِ بِكأْسِ حَليبٍ كُلَّ صَباحٍ،
فَمتى يستَيْقِظُ هذا العالَمُ مِنْ غَفوَتِهِ، كمْ طالتْ تِلكَ الغَفوَةُ
حتّى بَلَغَتْ حَدَّ اليأسْ
ومتى تَصحو هذي الأمَّةُ منْ نومٍ أطْوَلَ مِنْ نَوْمِ الكَهفِ
لِتَعْرِفَ أنَّ اللهَ تَبَرَّأَ منها منذُ أضاعتْ كلَّ مفاتيحِ المَلَكوتِ
وبوصَلةَ النّورِ فتاهَتْ في صَحراءِ النَّفطِ القَحطِ وغاصتْ
في وَحلِ خُرافَتها وأساطيرَ تُقَدِّسُها سَقَطتْ مِنْ شُبّاكِ
قِطارِ التاريخِ هَباءً فَسَقَطنا مَعَها
كانوا أحياءً قبلَ قليلٍ وَبِرَفَّةِ عينٍ لمْ يَبْقَ لَهُمْ أثَرٌ في الأرضِ
اثنا عَشرَ شهيداً طِفلاً سَقطوا في ذاتِ اللحظَةِ في مجدَل شمسْ
هَلْ حقاً سقَطَ الشُّهداءُ الأطفالُ؟ فإنَّ ملائِكَةً تَتَنَزَّلُ
فوقَ الأرضِ ولا تَسقُطُ أبداً، صَعَدوا نَحْوَ الشَّمسِ
كواكِبَ حمراءَ بلونِ العَندَمِ، نَقشوا بالأحمَرِ اثنَيْ عَشرَ اسْماً
فوقَ جَبينِ الشّمسِ فصارتْ أبهى
من تلكَ اللحظَةِ ما عادَ اسمُكِ مَجدَلَ شمسْ
صارَ اسْمُكِ اسْمَكِ مَجــــدَ الشَّمــــسْ

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق