الكهـــــــف:- (الجــزء الثـــالـــث).
قصــــة صـــاحـب الجنتيــــن "وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا (32) كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ وَفَجَّرۡنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرٗا (33) وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٞ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا (35) وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا (36) قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا (37) لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا (38) وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا (39) فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا (40) أَوۡ يُصۡبِحَ مَآؤُهَا غَوۡرٗا فَلَن تَسۡتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبٗا (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصۡبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيۡهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا (42) وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٞ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا (43) هُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ هُوَ خَيۡرٞ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا (44) وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا. ســورة الكهـــف".
ويَضـــربُ القـــرآنُ الكـــريـمُ أمثــــالاً واقعيــــةً ذاتُ تـأثيــرٍ بـالـــغٍ "تعكـــس حــالات قــد تكــون فــردية وقــد تكــون جمـاعية ولهـــا عـلي الشـــخصية والمحيــــطين بهـــا" وفيهــــا العِـــبَر والعظــــات. والغــــرض مِنـــها فـــي كـــل الأحـــوال تثبيـــتُ قلـــبِ المــــؤمـنِ ولــتزيد صِلَتـــِه وعلاقتــِهِ باللهِ عــز وجـــل. ولنــــزعِ فكـــرة الكُفــــرِ بشـــكل نهـــائي مِـن قُـلـــوبِ عبــــاد الله الصـــالحين الملتـــزمين بالمهنـــج والتكلـــيف وكلاهمــــا هــو الــوجـود فــي معيـــة الله.
وقصـــة صـاحــب الجنتيـــن وهو رجــــلٍ غفــــل وجحــــد دعـــوةِ الحـــقِّ وأســـتحب الضـــلالةَ والكُفــــرَ عــلى الهُـــدى والإيمـــــان أغـــــتر بزينــــة الحيـــاة الدنيــــا فــي المـال والحـــرث جحــــد نعمـــة الله وتكـــبر كمـا تكـــبر أبليــس مــن قـــبل فــأذاقــة الله مــرارة الضـــنك وتــركـه لجنـــده يتلقفــــــونة لينـــال جــزاء الأســـتعلاء والتكـــبر. نســي الله فأنســـاة الله نفســــه ومــن ينســــاة الله لا نصـــير لـه مــن دون الله. أنكـــرَ البعـــثَ والآخــــرة بــل غــــرورة بالحيــــاةُ الدُنيــــا زعـــم أنـه ســــينال المــزيـد فــي الآخــــرة وكــأنـه أتخـــذ عــند الله عهــــــدا. أعمـــاهُ مــالُــهُ وسُـــلطانُهُ ولـم يســتجيب لِنُصــحِ الناصـــحين ولـم يتَّعِـــظ بمــن ســــبقوهُ. أغـــواهُ الشـــيطانُ فـوقـــعَ فـي شـــرِّ الخطيئـــةِ والمعصيــــةِ.
وقـــد لخــــص الله ســــبحانه وتعـــالي الحيــــاة الدنــــيا بأعجــــــاز كمـا فـي قـــولة الكـــريم:-
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ. ســورة الحــديد 20.
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ. ســـورة آل عمــران 14.
ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا. ســورة الكهـــف 46.
المــؤمن الفطـــن يجـــب عليـــه التفــــريق بيــن النعمـــة والفتنــــة وكـــل مســـلم عليـــه التــأمـل والتدبـــر حــتى يــدرك حــال نفســــه. " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ. ســـورة فـاطــر 5".
وقــال الإمـــام أبــن القيّـــِم ((تمييـــز النعمـــة مــن الفتنـــة ليفـــرق بيــن النعمـــة الـتي يـــراد بهـــا الإحســــان واللطــف ويعـــان بهــا عــلى تحصــيل ســـعادته الأبــديـــة. وبيــن النعمـــة الـتي يــراد بهـــا الأســـــتدراج. فكــم مــن مســــتدرج بالنعــم وهــو لا يشـــعر. مفتـــون بثنــــاء الجهــــال عليــــه مغــــرور بقضـــاء الله حوائجـــه وســـتره عليـــه. وأكـــثر الخــلق عنــدهم أن هــذه الثـــلاثــة عـــلامة الســـعادة والنجـــاح "ذلــك مبلغــهم مــن العـــلم". فمــا كــان مــن نعـــم الله عليــه يجمعــه عـــلى الله فهـــو نعمــة حقيقـــية. ومـا فــرقــه عنــه وأخـــذه منـــه فهـــو البـــلاء فـي صـــورة النعمـــة والمحنـــة فـي صـــورة المنحــة فليحـــذر فإنمــا هــو مســــتدرج.
وللتمــــيز بيــن المِنـــة والحجــــة:-
فــإن العبــد بيــن مِنــةٍ مـن الله عليـــه وحجــة منــه عليـــه ولا ينفـــك منهمـــــا. فكـــل عــلم صحبـــه عمــل يرضيـــه ســبحانه فهــو منــة وإلا فهــو حجــــة. وكــل قــوة ظـــاهـرة أو بـاطنـــة صـــحبها تنفيـــذ لمرضــــاته وأوامـــره فهــي منــة وإلا فهــي حجـــة. وكــل حـال صحبــه تآثيـــر فـي نصـــرة دينـــه والـدعـــوة إليـــه فهـــو منــة منـــه وإلا فهـــو حجـــة عليـــه. وكــل مـــال أقتـــرن بــه إنفـــاق فـي ســـبيل الله وطاعتـــه لا لطـــلب الجـــزاء ولا للشـــكور فهـــو منــة مـن الله عليـــه وإلا فهـــو حجـــة. وكـــل فـــراغ أقتـــرن بــه أشـــتغال بمــا يــريــد الله مــن عبـــده فهـــو منــة عليــه وإلا فهـــو حجـــة. وكـــل قبـــول فـي النــاس وتعظـــيم ومحبـــة أتصـــل بـه خضــــوع لله وذل وأنكســـار ومعـــرفة بعيـــب النفــس والعمـــل وبـــذل النصيحـــة للخــــلق فهـــو منـــة وإلا فهـــو حجــــة. وكـــل بصـــيرة وموعظـــة وتذكيــــر وتعريــف مـن تعريفـــات الحـــق ســـبحانه وتعـــالي إلـى العبــــد أتصـــل بـه عـــبرة ومــزيــد فـي العقــــل ومعــــرفة في الإيمـــان فهــي منـــة وإلا فهــي حجــــة. وكـــل حــال مــع الله تبـــارك وتعــــالى أو مقـــام أتصـــل بـه الســـير إلـى الله وإيثـــار مـــراده عــلى مـــراد العبـــــد فهـــو منــة مـــن الله وإن صحبـــه الــوقـــوف عنـــده والرضـــا بــه وإيثـــــار مقتضـــاه مـن لــذة النفـس بــه وطمأنينتــــها إليهـــا وركــونهــا إليـــه فهـــو حجــة مـن الله عليــــه. فليتـــأمل العبـــد هــذا الموضـــع العظـــيم الخطــــر ويمـــيز بيــن مــواقــع المنـــة ومـواقـــع الحجـــة فمــا أكـــثر مـا يلتــبس ذلـك عــلى خـواص النــاس وأربـاب الســـلوك والله يهـــدي مـن يشــاء إلـى صــــراط مســــتقيم )).
ظـــنّ المغــــرور أنّ المزرعتيـــن أبديّتـــان لـن تهلكـــا أبــدًا. لــذا دعـــاة صـــاحبة المـــؤمن إلـى شُــكر الله والإيمـــان بـه فرفـــض المغـــرور دعــوة صـــاحبه المـؤمــن بكـــل جحــــود وأســـتعلاء فعاقبــــة الله جــــزاء تكبـــّره وعنــــاده بإحـــراق المزرعتيـــن وجفــــاف نهـــرهما.
المحـــور الأســاسـي للقصـــة العقيــــدة فقـــد بيّنـــت حقيقــة الإنســـان حــين يتملّـك مـن الدنيــــا الســـلطة "الجـــاه" والمــــال الطـــبيعي الشــــكر والحمــــد وأطعـــام الطعــــام والتقـــرب مـن الله حــتي لا تتحـــول النعمـــة الـي نقمـــــة (فَأَمَّا ٱلۡإِنسَٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ (15) وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيۡهِ رِزۡقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ (16) كَلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ (18) وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا (19)
وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبّٗا جَمّٗا. ســورة الفجـــر).
الفضــــل يـرجع كـــله إلــى الله تعــــالى والواجـــب عــلى المــؤمــن الثبـــات عــلى دينـــه موقنــــا أنّ الــذي خلقــه هــو الله وأنّ مصيــره إليـــه فــلا ينخـــدع بالمُلــكٍ الـزائـــلٍ. لهـــذا أيقــــن صـــاحب الجنتيـــن مــدي ضـــعفه عــندما رآي مشــهد النمـــو والأزدهــــار وفـي المقـــابـل الـدمـــار والبـــــوار. فأصــــابه الـــندم والحســـــرة.
فالله ســـبحانه وتعـــالي يعلمنــــا فـي كتـــابة الكــــريم:-
وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا . ســورة الكهـــف 45.
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ. ســـورة آل عمـــران.
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُور. ســـورة الحــديد 20.
والمـــال قــد يســـتخدم فـي الخيـــر وقـد يســتخدم فـي الشــــر لـــذا قــال الله تبـــارك وتعـــــالى " وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ. ســورة الأنفــال 28". فالمــال مـن الفتــن العظيمـــة الــتي يُبتـــلى بهــا المـــؤمن والنـــذر القليـــل من النــاس مـن يصبـــر عليهـــا. روى الإمــام أحمـــد فـي مســــنده عــن النــبي صـــلَّى اللهُ عليــه وســـلَّم قـــال "إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وَإِنَّ فِتْنَةَ أُمَّتِي الْمَالُ". وقــال الإمــام أحمــد بـن حنبـــل رحمـــة الله "أبتلينا بالضراء فصبرنا وأبتلينا بالسراء فلم نصبر".
والعبــد يُســـأل عــن مــالــه يـــوم القيـــامة كـــيف أنفقــــه؟ روى الــترمــذي في ســـننه عـن الــنبي صــلَّى اللهُ عليـــــه وســـلَّم قـــال "لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ".
وروى البخــاري ومســلم مــن حديــث أســـامة بــن زيـــد رضــي اللهُ عنهمـــا أن الــنبي صـــلَّى اللهُ عليـــه وســـلَّم قــال "قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَكَانَ عَامَّةَ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينُ، وَأَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ".
وقــد جُبــِلَت النفـــوس عــلى حـــب المـــال قـــال الله تعــــالى (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا. ســـورة الفجـــر 20) – (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ. ســورة آل عمــران 92).
وقـــد حـــذَّر الــنبي صـــلَّى اللهُ عليـــه وســـلَّم أمَّتـــه مــن فتنــــة المــــال. روى البخــــاري ومســــلم مـن حديــث عمــرو بــن عـــوف رضــي اللهُ عنـــه أن الـــنبي صــلَّى اللهُ عليـــه وســـلَّم قــــال "فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ فَوَاللَّهِ لَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ".
وهـــذا يتضـــح للأســـف بوضـــوح فـي هـــذه الأيــــام فالجمـــيع منكــــب عـلى كســـب المـــال بــآي وســـيلة بغـــض النظــــر عـن حلالهــــا مـن حـرامهــــا وبغـــض النظـــر أنهــا مـن مســـاهمات مشـــبوهة مـن عــدمه أو معـــاملات فيهـا مخـــالفات شـــرعية كالـــربـا والغـــش وأكـــل أمـــوال النـــاس بالبـــاطل وغيـــرها. فيتـــم حيــــاكة العـــــدل عــلي أعتبـــار أنـه حـــق وهـــذا ألبـــاس البـــاطـل بالحــــق. قـــال الــنبي صـــلَّى اللهُ عليـــه وســــلَّم "لَيَاتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ بِمَا أَخَذَ الْمَالَ: أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ؟ ". رواه البخـــاري فـي صحيحـــه مـن حـديــث أبــي هــــريرة رضـي اللهُ عنـــه. ولهـــذا أرشـــدنا الــنبي صـــلَّى اللهُ عليــه وســــلَّم إلـى القنـــاعة وعيشـــة الكفــــاف والرضـــــا. قـــال الــنبي صـــلَّى اللهُ عليـــه وســـلَّم "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ" رواه مســلم فــي صـــحيحه مـن حديــث عبــد اللَّه بــن عمــرو بــن العـــاص رضــي اللهُ عنهمــا.
وروى البخـــاري ومســـلم فــي صحيحيهمــــا عــن حديــــث أبــي هــــريرة أن الــنبي صــــلَّى اللهُ عليـــه وســــلَّم قـــال "لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ".
وروى البخـــاري ومســـلم مـن حــديث أنـس بــن مالـــك رضــي اللهُ عنـــه أن الــنبي صـــلَّى اللهُ عليـــه وســـلَّم قـــــال "يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ".
الدنيـــا يعطيهـــا اللَّه مـن يحـــب ومــن لا يحــــب وهـــذا العطـــاء الـربــوبي المكفـــول للجمـــيع ســـواء كـافـر أو مـؤمـــن أمــا العطـــاء الألهـــي أختــص لـه المؤمنــــين فقـــــط. لـــذا قـــال الله تبـــارك وتعــــــالى
أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِين (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُون. ســـورة المؤمنــون.
فَأَمَّا ٱلۡإِنسَٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ (15) وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيۡهِ رِزۡقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ (16) كَلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ (18) وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا (19)
وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبّٗا جَمّٗا. ســورة الفجــــر.
الـــدروس المســـتفادة مــن قصـــة صــــاحب الجنتيـــــن:-
- أخـــذ العظـــة والعبــــرة حـتي لا تخدعنـــــا فــتـن الدنيـــا "تتحـــول النعمـــة الـي فتنـــــة" بمــا أظهـــرت مـن الملــــذات وعــدم عصيـــان الله أو نســــيان الآخرة.
- البعـــد عــن التكبّــــر والغــــرور والأســـتعلاء فتتحـــول النعمــــة الـي نقمــــــة.
- النعمـــة الـتي ينعـــم بهــــا الله ســـبحانه وتعــــالى عـــلى عبـــاده هــي مُلــكٌ لله وحــده لا شـــريك لـه ويــؤدي الإنســـان حقّهـــا بالشُــــكر وإن يوظفهـــــا فـي طــــاعة الله حــتي تتحقّـــق منهــــا والا ســـــتكون ســـببًا فـي بطـــلان أعمــــاله.
- ينعـــم الله عـــلى عبـــاده ليبتليهـــم ويمحصــــهم وينظـــر هــل يشـــكرون أم يكفــــرون وذلــك بالطبــــع حجـــة عليــــهم.
- كــلّ النعـــم بلا أســـــتثناء مـا عـــدا الإســـلام والإيمـــان معرضـــةٌ للــــزوال وهمـــا النعمتــــان الحقيقيتـــــان وكــــلّ مــا ســـــواهما قليــــلًا فكلّـــه زائـــل ولا يُفيـــد يــوم القيـــــامة " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ. ســـورة آل عمـــران 91".
أكتفــــي لهـــذا القـــــدر وفـي الجـــزء القــــادم قصـــــة نـبي الله موســـي والعـــبد الصـــالح.
خــالــد عــبد الصــــمد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق