التــصــــوف القـــــــاد ري -)
مراتب النفس الإنسانية
.
بقلم : د . فا لح الكيـــــــــــلا ني
.
للنفس الانسانية مراتب عديدة اختلف العلماء في تعدادها اصطلاحا ووفقا لأرائهم ولأهوائهم ومعارفهم وتسمت تبعا للطرق الصوفية ففي الطريقةالقادرية جعلت مراتب النفس ثلاث اللوامة و الملهمة والمطمئنة وفي غيرها من جعلها خمسا او سبعا او ربما اقل اواكثر وذلك بادخال كل مرتبة في قريبتها او القريبة الشبه اليها.
ففي الطريقة القادرية الاولى :النفس اللوامة وتاخذ في غيرها مجرى الامارة واللوامة فتدمج في واحدة
والثانية: الملهمة وتستقل في ذاتها في الطريقة القادرية وفي غيرها اما الثالثة : فهي في الطريقة القادرية تسمى المطمئنة وفي غيرها تتوزع الى المطمئنة والراضية والمرضية والكاملة وهذه التسميات نص عليها القرآن الكريم قال الله تعالى :
( وما ابرئ نفسي ان النفس لامارة بالسوء الا ما رحم ربي ان ربي غفور رحيم ..) سورة يوسف الاية \53
( لا اقسم بيوم القيامة ولا اقسم بالنفس اللوامة ) سورة القيامة الايتان الاولى والثانية
( يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ) سورة الفجر الايات الاربع الاخيرة الاخيرة
ولاهمية هذا الموضوع في التربية النفسية الدينية والخلقية وما يعتريها ويخالجها والكشف عنها عند المسلمين والصوفيةخاصة ساقدم هذا البحث عن هذه النفوس ومراتبها وادوائها:
النفس الامارة
سميت بعض النفوس بهذا الاسم لانها تأمر صاحبها بالسوء وهي نفس خبيثة باعت آخرتها يشهوة دنياها ومن صفات هذه النفس : البخل والحرص والحسد والحقد والكراهية والجهل والكبر والشهوة والغضب وسوء الخلق والخوض في ما لا يعنيها من الكلام لذا فانها تحمل كل الصفات السيئة وما اتسمت بهذه الخصائص الا لوقوعها في حبائل الشيطان وفي ظلمة الطبيعة فلا تفرق بين الخير والشر وبذا لك اصبحت واسطة للشيطان تابعة له ووسيلته في الاغواء واللهاث وراء الرذيلة وهذه النفس هي التي اشاراليها الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بقوله :
(اعدى اعدائك نفسك التي بين جنبيك- )
الا ان هذه النفس لم تترك على هواها دون تقديم عون لها ومساعدة تنقذها فهي نفس مريضة وجب عليها العلاج وتقديمه لها فقدم لها لمن اراد الرجوع الى طريق الحق تعالى , فدواؤها اوعلاجها يكمن في هذه الوصفة التي وضعها اصحاب الطرق والتصوف فقيل ان دواءها في تقليل الطعام والشراب والمنام ,فاذا تم ذلك كسرت شهوة هذه النفس وذلت وخاصة عوزها الى الطعام .
وقيل ان الله تعالى عندما خلق الخلق ونظراليهم اعترفوا له جميعا بالربوبية والخضوع لسلطانه الا النفس اذ قالت ( انا انا وانت انت0) فادخلها الله سبحانه وتعالى في بحار التعذيب وكلما خرجت من بحر قالت انا انا وانت انت 00 الى ان عذبها بالجوع فذلت واستكانت واعترفت قائلة انت الرب وانا الخاضعة الذليلة لسلطانك وقوتك وقهرك وجبروتك فاستجابت لربها سبحانه وتعالى.
ومن ادوائها ايضا كثرة السهر في طاعة الله تعالى ومداراة الذكر بما يأمر به شيخ عارف وبالمحافظة على ا داب الشريعة واداب الطريقة وكثرة الصمت الا في ذكرالله تعالى .
وبهذه المجاهدة يتم كبح اعتى النفوس واشدها ظلما وتمردا فاذا استطاع المريد معالجة نفسه الامارة بالسوء بهذه الادوية يتم نزول المريد اول منازل القرب من الله تعالى واول مرتبة من مراتب السعادة النفسية فيشهد المريد بعين بصيرته شهود الذوق ويعلم انه لا معطي ولامانع ولا محرك ولا مسكن سوى الله تعالى وعلامة هذه المعرفة انك لا ترجو غيره ولا تخاف سواه ولاتكره مخلوقاته ولا تؤذيها رأفة بها وخشية من الله تعالى فان الله تعالى آخذ بناصية الجميع .
االنفس اللوامة
وسميت بعض النفوس بالنفس اللوامة لأنها توقع صاحبها في الخطأ ثم تلومه عليه وتندم فيصبح المرء موقع ندم ولوم وربما بقي فيها بعض من صفات النفس الامارة لكنها تعرف الحق والباطل وتقر بكليهما ا لا انها لا يزال طبعها البشري يغلب عليها ويجعلها تنتصف او تتأثر بصفات معينة: منها الرياء والغرور والغيبة وحب الرئاسة وحب الشهرة الا انها اعلى منزلة من النفس الامارة وا لا لما كان لهذه النفس اللوامة هذه المنزلة والمكانة الا لما منحها الله تعالى من انوار ملكوته وانا بها قلب عبده المؤمن السالك يريه الحسن حسنا والقبح قبحا ويبعثه على التخلص من مذامه والتحلي بالخلق القويم . لذا نجد صاحب هذه النفس في صيام وقيام وصدقة ويجاهد نفسه ولكنها تدخل اليه العجب والافتخار والرياء وحب الحمد والثناء.
ودواء هذه النفس المجاهدة في التخلص من الرياء والغرور والانشغال بالحمد والثناء والشكر لله تعالى والاستغاثة به عز وجل للتخلص من مآثمها .
النفس الملهمة
سميت النفس بالملهمة في هذه الدرجة لانها بدأت تستلهم الرشد وان الله تعالى الهمها فجورها وتقواها الا انها تقوت على الفجور واصبحت تعرف التفريق بين الحق والباطل وحالة هذه النفس او من صفاتها – الحلم والسخاء والقناعة والتواضع و حب التوبة والصبر في موضع االبلوى وتحمّل الاذى والعفو عن الناس والتواضع لهم وحسن الظن بهم ومن صفاتها :
العشق والبكاء وحب الذكر ..حقا انها تبكي في ذكرالله تعالى
ويعرف صاحبها ببشاشة الوجه والفرح بالله تعالى وكثرة ذكره والتحدث بالحكم والمعارف والاعراض عن الخلق 0 ومقامه جامع بين الخير والشر فهو اشبه بان يكون في برزخ يجمع بين الصفات الحميدة والصفات الذميمة ويميل الى تغليب الاولى على الاخيرة وعلامات ذلك احساسه في داخله او سريرته انه من اهل الايمان وظاهره التزامه بالشريعة مشغول وكانه حديث عهد بها .
ولشد ما يخاف عليه الرجوع عن الطريق والعودة الى المعصية فيحرم مناجات ربه وتنكشف بوائق انواره وتافل انوار الحقيقة عنده فيرجع الى هوى النفس في المربع الاول منها 0
وعلاج هذه النفس المتابعة التامة والتمسك الشديد بشيخه ولزوم تعليماته والاغضاء اليه او الاستماع اليه بكل ما يعتلج او يختلج في نفسه فليسرع الشيخ لتخليصه من حالته قبل فوات الاوان وارشاده حتى يطمئن عليه ويرجعه الى رشده.
النفس المطمئنة
وهذه النفس هي التي وصلت الى مقام التمكين واصبحت في مأمن من العثرات والزلات والخلوص من جميع الافات النفسية والبشرية وأمنت المكر والتلبس ووصل صاحبها الى مرتبة من امنهم الله تعالى من الشيطانقال تعالى :
( ان عبادي ليس لك عليهم سلطان ) سورة الحجر الاية 44
واستراح صاحبها من جهاد نفسه ومن صفات هذه النفس التوكل والعبادة الحقة والتذلل والشكر والرضا والخشية واتباع الشرع بحيث لا يخرج صاحبها عن التكليف قيد شعره وعلامته الاجتها د في القيام بأمورالشرع والتحلي باخلاق سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
وصاحب هذه النفس قلبه ممتليء بالايمان الكامل واليقين الثابت تلتذ به اعين الناس .
ويصغى اليه باذعان ولسانه يترجم عما في اعماق قلبه وبما القاه الله تعالى فيه من الحقا ئق والاسرار فيناديه الله تعالى :
( انا سرك ايها الحبيب وانت سري فقر عينا وطب نفسا )
وتظهر علي يديه كثير من الكراما ت والمقامات وان كانت الاستقامة اكبر من الكرامة . لذا عليه الثبات بالعبودية مع الاستقامة فهي افضل من الف كرامة .
ويخاف على هذه النفس من الغفلة وعدم الترقي في المقامات الاخرى وقد يتعرض صاحب هذه النفس الى امراض حب الرياسة او الشهرة والتعرض للمشيخة والارشاد.
اما علاج هذه النفس من امراضها اودوائها فهوالتباعد عن ذلك ومجاهدة النفس في الخلاص من امراضها لان صاحبها يحيا بنور الله تعالى .
النفس الراضية
ان ثبات صاحب هذه النفس او صاحب هذا المقام العالي في الامور السابقة وسهولة وصوله الى هذه الحالة وفي اتباع الشرع فتنجذب نفسه الى قوة الالطاف الالهية جذبة جديدة وينادى عليه من الله تعالى : ( ياايتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية )
سورة الفجر الايات 27 و28
ولهذه النفس من المحاسن ما لا يقع تحت الحصر ومن الكمال قمته وشأفته فهو قد وصل الى مقام الرضا ودرجته لدى الصوفيين عالية جدا
وصاحب هذه النفس يعتريه النسيان فلا يذكر شيئا من امور الدنيا اي منقطع الى الله تعالى فان قلبه متعلق بمشاهدة الحق متطلعا اليه والى جماله وجلاله ويتصف بالورع والاخلاص وفي الحديث القدسي:
( الاخلاص من اسراري استودعته قلب من احببت من عبادي لايطلع عليه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده )
مروي عن الامام الحسن السبط مرسلا . كتاب احياء علوم الدين للغزالي
وصاحب هذا المقام ذو افتاء تام لكل امر من امور الشريعة وادب من ادابها وملتزم بالطريقة والحقيقة , نفسه راضية على كل شيء محبوب او مكروه اذ لا اعتراض منه اصلا لانه مستقر بالشهود مشغول بعالم اللاهوت غريق في بحر الاداب مع الله تعالى .
ومن صفات صاحب هذه النفس انه لا ترد دعوته عزيز مهاب الجانب لسانه لا ينطق بالسؤال حياءا وادبا فاذا دعى فدعوته مستجابة ان شاء الله فاذا دعى فدعوته عبودية وتعبد . تظهر عليه علائم حب الناس ومهابتهم له و ينادى عليه في حضرة الرب قال تعالى :
( انك اليوم لدينا لد ينا مكين امين ) سورة يوسف الاية 54\
يخاف على صاحب هذه النفس من الركون الى الناس لتعظيمهم له خوفا عليه ان تمسه نار طباعهم وتصيبه عدوى بشريتهم اذ ان القلوب جبلت على حب من احسن اليها وهذا محسن الى الجميع .
دواء هذه النفس النظر الى الله تعالى والبقاء في هذا المقام الذي هو فيه وهو مقام الاحسان وذلك بالتمسك بالعروة الوثقى التى لا ا نفصام لها والله هو المعين .
النفس المرضية
سميت هذه النفس بالنفس المرضية لانها لانها رضي الله عنها فصارت مرضية عند الله تعالى ثم عند خلقه , فصاحبها من الذين انعم الله عليهم قال تعالى :
( رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه )
سورة البينة الاية الاخيرة
فهو د اخل في خشية الله تعالى فتغشاه برحمته واصبح في مقام من ذكره الحديث القدسي ( كنت سمعه وبصره) المذكور سابقا فترقى الى منازل الاحبة وخلعت عليه خلعة الرضوان من الرحمن تعالى.
ومن عجائب هذا المقام وكما لاته حظه الوافرعند ربه من المحبة ما لا يدخل تحت الحصر فهم يحبهم الله ويحبونه وتظهر عليه محاسن الخلق ومكارمها فيتجمل بالشفقة ويتحلى بالصفح عن الناس وامنياته اخراجهم من الظلمات الى النور باذن ربهم بما يقوم به من نصح وارشاد لهم لله تعالى والسعي في انقاذهم من شرورالعلائم الدنيوية.
ومن علامات هذه النفس ان صاحبها لا يتميز عن عوام الناس في الظاهر اما باطنه فهو معدن الاسرار ود رة الاخيار متسم بالوفاء بالوعد واضعا كل شيء في موضعه معتدل في كل الامور ينفق في موقع الانفاق ويبخل في موضع البخل بما يرتضيه الشرع فلا يبسط يديه كل البسط ولا يجعلها مغلوله الى عنقه .
ومن صفاته انه تلوح عليه علامات الخلافة وهو مقام حقيقي هو مقام حقيقة و تمكين عال قد ادرك سره وحقيقته .
\
النفس الكاملة
سميت بالنفس الكاملة لكمال اوصافها ووصولها الى موقع الرحمة مع جميع الخلائق ومحبتهم فهي تحب الجميع تحب للكافر الايمان او ان يكون مؤمنا وتحب للعاصي التوبة والانابة الى ربه وتحب للطائع الثبات في طاعته وتقواه ذات نور , نورها ممتزج بين الانوار عالمها الخيرات ومكانها الخفاء فهي ريحانة عند الله تعالى في ارضه .محبوبة عند الله وعند خلقه عبوديتها سيادة وعقليتهالا حسن وجمال وغيبتها شهادة واقتدار وباطنها طاهر بانبهار انقطعت الى العلي الاعلى فنالت السعادة الكبرى وانمحقت منها صفاتها البشرية ورجعت الى صورتها الادمية التي في حقيقتها , الحقيقة المحمدية .
وهي سر الله الاعظم في غاية القرب من العلي الاعلى فتدرك بذاتها على حقيقتها ومعرفتها بالذل والفناء ومعرفةبالباري عز وجل بالعز والبقاء .
صاحبها معروف بالاستقامة الكاملة متمسك بالاداب الالهية لا يشغله شاغل جمعه عن فرقه ولا فرقه عن جمعه ولا بشريعته عن حقيقته ولا حقيقته عن شريعته يعطي لكل ذي حق حقه في غاية الكمال ومنتهى ما تصبوا اليه النفوس الانسانية . تخلق باخلاق الرحمن الرحيم ونودي عليه قال تعالى :
( انا جعلناك خليفة في الارض)
سورة ص اية 26
وصل صاحب هذا المقام العظيم الى علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين لانه من المتقين المؤمنين . اتصف بجميع المحامد لا هم له ولا مطلب غير رضوان الله تعالى فحركاته حسنات وانفاسه قدرة وحكمة وعبادة لا يفتر عن العبادة بجميع جوارحه اناء الليل واطراف النهار في سره وعلانيته وقلبه ظاهرا وباطنا كثيرالاستغفار جم التواضع كثير الاوجاع ضعيف الحركة , خلى قلبه من كل كراهية للخلق .لا تاخذه في الحق لومة لائم وفي الحديث الشريف :
( ان لله عبادا اذا شاؤوا شاء ))
قال تعالى :
( وما تشا ؤون الا ان يشاء الله رب العالمين )
التكوير الاية \29
لاحظ كتابي ( التصوف والطريقة القادرية ) طبع ونشر دار دجلة ناشرون وموزعون عمان الاردن.
امير البيــــــــــان العربي
د. فالح نصيف الكيلاني
العراق - ديالى - بلــــد روز

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق