قصة قصيرة
العنوان بين الحقيقة والسراب
الجزء الثالث عشرة
الكاتبة / ليلى جمل الليل
هزت الجدة رأسها بالموافقة، وافقها الجد، فيما ساد الصمت الجميع، تبادلت إيمان مع والدتها إلهام نظرات التعجب، فكسرت جليد الصمت قائلة: (( أريت يا أمي، الخالة عائشة لا تفوت فرصة لتضايقني بها)).
فيما أسماء فهمت قصد عائشة، حدجت أبنتها أخذت تداعب خصلتها
البنية، قبلتها على جبينها، كانت عبير متوترة إذا كانت تخشى العودة إلى موضوع الزواج من عامر
وممارسة الضغط والإلحاح الذي يهزمها نفسيا من جديد ، لكن أسماء اتجهت للباحة وقد غطت رأسها، وبخطوات هادئة حازمة، وقفت قرب مقعد زوجها وطلبت الإذن في الحديث، فأخبرت الجميع أن ابنتها ترغب في مواصلة دراستها وارتياد الجامعة.. وليس لها أي نية في الزواج حاليا..
في النافذة المضاءة تعانق ظلان خلف الستائر المموجة، كانا لإيمان ووالدتها
وقد عبرا عن سرورهما بهذا النبأ، كادت إيمان تطلق الزغاريد، فردعتها والدتها، بعد ذلك حثتها إيمان على الذهاب وإعلان موافقتها على زواج من عامر، قبل أن يحدث أمر ما يعيق رغبتها، لكن جرأة والدتها لا تقارن بالتي لدى أسماء ، إلا أن تشجعت ومضت إلى الباحة وهي تمشي بتردد.. كان المجلس يشتعل من عيون الجد المجمرة بعد حديث أسماء،
قطب الجد حاجبيه، قائلا:(( الجامعة اختلاط، لا أقبل أن تتعلم أبنتي الشابة وسط فيه شبان غرباء من كل مكان..)).
تبادل أولاده النظرات، شعر والد عبير بخيبة أمل راح يعاتب زوجته بنظرات هادئة محافظا على صمته واتزانه المعروف، إذ كان يطمح بتعليم ابنته لتصبح فتاة متعلمة مسؤولة عن نفسها ومستقلة، لكنه يبحث عن طرق لإقناع والديه بذلك، لكن أسماء استعجلت على إفشاء رغبته ورغبة ابنتها في التعليم. تبادل عامر ووالديه نظرات استنكار كلا يرغب بعودة موضوع خطبته الذي حرفته أسماء، لكن عائشة تخفي ابتسامة صفراء، إذا أخذت قصاصها من عبير التي تجرأت برفض ابنها من وجه نظرها، ووضعت أسماء في موقف محرج كعقاب لها، وعامر وإيمان نالا جزء من هذا العقاب النفسي، فقد كانت الوحيدة قادرة حسم الموضوع، لكن شخصيته السادية تميل المشاكسة وتلذذ بمشاهدة نتائج ذلك.
لكن قدوم إلهام الخارج عن الحسبان أفسد عليها ذلك..
من جهة الأخرى لم يحسب سليم حرارة الجو في اليمن وتلك الظروف القاسية التي فاجأته، أخذ يمسح بالمنديل زخات العرق وهو في طريقه للفندق مكان إقامته المؤقتة، حتى أشفق عليه صديقه اليمني الدكتور عادل وشغل مكيف السيارة، فتعجب سليم من موقفه ووجه له عتاب مستتر بمزاح مرح، لكن الدكتور عادل أوضح له ، أن هنا أزمة بترول، ولقد كلفة شراء ١٠ لتر من السوق السوداء مبلغا طائلا!!، فستنكر سليم أن بلد غني بالبترول لديه هكذا أزمة، وتجنب النقاش والجدال واكتفى بالابتسامة..
كذلك أسماء اكتفت برسم بالابتسامة خجل في وجه الجميع، فقد شعرت بإحراج حقيقي، وكأنها أوقعت نفسها في حفرة دون قرار..
غمز عامرا والده مشيرا برأسه إلى الحجة فاطمة، وهي قابعة بصمت تعدد مسبحتها وكأنها ناسكا في محرابه لا جالسة وسط هذا الصخب من تبادل النظرات والعيون التي تتأرجح كبندول الساعات العتيقة..
فهم والد عامر .... وقد كان يجلس قرب والدته من فأخذ يربت على ركبتها ويشير إلى إلهام التي تسمرت، تنتظر أن يعيرها أحدهم اهتمام، فقد ظلت تحدج زوجها محمود نظرات توسل كأنها تطلب مساندته، لكنه فضل الصمت فقد عرف نية إيمان مسبقا ولم يكن راضا على تصرفاتها تلك، قاطعت الحجة فاطمة بضربتين بالعصا ضجيج الصمت ذاك، قائلة :(( لنترك حديث دراسة عبير، ونركز إلى ما اجتمعنا من أجله اليوم، أرى ابنتي إلهام وقد جاءت على عجل، أظنها جاءتنا بموافقة حفيدتنا إيمان أليس هذا ما ترغبين في قوله يا إلهام؟!)).. هنا تنفست إلهام الصعداء، فقد تحدثت الجدة بنيابة عنها وعتقتها من الحمل الثقيل التي كانت تتوهم، هزت إلهام رأسها بخجل عدت مرات، وهمت بالعودة استوقفتها يد تسحبها للجلوس مع الأسرة، كانت تلك يد زوجها محمود راغما إيها للانضمام للمجلس الذي طالما ما تجنبت التواجد فيه.
تعجبت عائشة وقابلت الأمر بتكشيرة
فيما أسماء همت بالانسحاب، فناداها الجد قائلا بلغي عبير أن تتوقف عن التفكير بالجامعة لأنها سوف تتزوج..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق