الأحد، 18 يونيو 2023

عازف الكمان / بقلم / الطيبي صابر

 عازف الكمان.

كنت مغرما بالعزف في صغري كبقية أقراني ، لم يكن في استطاعتي المادية أن أشتري كمانا كتلك التي يملكها "الدحاوي" عازف الموسيقى الشعبية في "دَوّارنا"رفقة الشيخة خديجة صاحبة الصوت المبحوح الحزين...
وكانت والدتي ترفض رفضا باتا أن أتعلم العزف على هذه الآلة خوفا من أن أصبح مثل "الدحاوي".
كنت أحاول صنع آلة الكمان من علبة البنزين القصديرية ، وأسترق شعيرات من ذيل حصان أو بغل لقوس الكمان أو "الحكاك " كما كنا نسميه ، وأقوم ب "تشحيم" شعيرات قوس الكمان بالروزن التي نسميها نحن ب "الرزينة" وهي مادة لزجة تسيل من جذوع شجر الصنوبر لإعطائه نوعا من الاحتكاك حتى يصدر عنه الصوت المرغوب عند ملامسته الأوتار .
مرت شهور كثيرة وأنا أحاول عزف مقطوعات موسيقية مثل تلك التي أسمعها من "الدحاوي" بمناسبة عيد العرش، أو من الشيوخ الذين يزورون البلدة أثناء الأعراس أو بسبب ضيق ذات اليد.
كنت أقوم بعزف أصوات عشوائية أرافقها بأصوات من فمي ربما هي أحسن على كل حال. وظننت في وقت من الأوقات أو أن بعضهم أخبرني أن العزف أمر روحاني من يريد إتقانه عليه بلقاء الجن ليلا بمذبح السوق المجاورة لنا ، فقمت بكل المحاولات دون جدوى. واستمررت على هذه الحال لمدة سنة تقريبا ثم أهملت "كماني" أو بالأحرى كمنجتي.
بعد سنوات تطور المشهد إلى شيء لم أكن أتوقعه ، كنت في منتصف شبابي، عندما وافقت والدتي على إلحاقي بمعهد الموسيقى للعزف على الكمان. رغم أنها كانت ترفض ذلك بشدة ، إنه لشيء يشبه الفضيحة بالنسبة لأسرتي، خصوصا ونحن في بيئة محافظة.. كانت أمي تخشى من التحولات الممكنة التي قد تغير حياتنا إلى مسارات غير مرغوبة، ولكنها أصرت على المغامرة.
بعد سنوات صرت عازف كمان ماهر بعد أن خبرت معنى لغة الموسيقى.
بدأت أحصل على اهتمام الناس، في حفلات الزفاف والعزائم ومناسبات أخرى كالأماكن العامة وأراكم المزيد من التمرس ، حتى تمكنت من فرصة للعزف في مسرح مدينتي الشهير ، كان هذا حدثا كبيرا بالنسبة لي لأنه كان يعتبر فرصة لأثبت مهارتي الفنية أمام جمهور جديد.
أصبحت معروفا من عدد كبير من الجماهير والمعجبين وأصبحت شهيرا بعد أن عرضت صحف محلية أخبارا عن أدائي المذهل.
وتمكنت بعد ذلك من العزف في العديد من المسارح والحفلات الموسيقية والتلفزيونية في جميع أنحاء بلادي ، وأصبحت معروفا بالأداء الرائع والموسيقى المذهلة التي أصنعها بكماني.
هكذا أصبحت العازف الملهم لأقراني.. ولم تكن التجربة من أجل ما كنت أريد أن أصبحه، ولكني كنت أقدم فنا راقيا من فن جيل السبعينيات ، لا يشبه هذا "الفن" الشائع اليوم بين شبابنا.
الطيبي صابر(أبوسهيل)المغرب


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ليتها تعلم / بقلم / عبيد رياض محمد

  ليتها تعلم كتبت القصيد على حرفها كلماتُُ كانت في وصفها فاضت مشاعري في حبها فصرت كأني أسير لها و هام القلب في عشقها يدور كما البدر في فلكها...