السبت، 22 نوفمبر 2025

الليل الضرير / بقلم / وجدان عبدالعزيز

قصة قصيرة

الليل الضرير
وجدان عبدالعزيز
كنت حائرة جدًا ولم أكن يوماً من الأيام بهكذا حالة توسدت الصبر وحاولت الخروج وكانت الشوارع مزدحمة ووجوه غريبة مستديرة ذات ملامح متعبة لنساء متوسطات الأعمار وفتيات ناهدات مكتنزات بأعمار الأنوثة بيد أنهن متعبات أيضاً عليهن تراب الخوف والحذر الرجال حينما تصطدم بملامحهم تجد فيها الكثير أيضاً من التعب والكد ولما تُمعن النظر تجد اللاجدوى والسعي اليائس المدينة والمدن المجاورة لبستْ ثياب الحداد وأقفهرت شوارعها المحفرة التي تستوعب أمطار الكون كله ولازالت كلماتها ترنُّ في أذنيّ لم أجد بد إلا أن اكون حائرة مترددة اقرأ لافتات المدن وهي تنعى محبيها أخاف وأحذر من الشوارع والأسواق والسيارات أخاف من أصحاب الرؤوس المغبرة بالهوس الليلي والدسائس أكره الملفعين بألف خرقة يغطون فيها ملامح السطو على الحياة أعجب وأظل واقفة أتنصتُ نبض الحياة جريان النهر بالقرب مني يلحن مأساة هولاء وأنا أكره السماع ولكني أعود لأتنصت مرة أخرى قالتْ: قلتها دعني أغادر النهر وأغادر أشجار الديرة والعصافير فكل شيء يدعوني لغربة النفس والروح والجسد
ظلت كما قالت لي: مرات تركب الصبر مطية لا تهجع ولا تمل الصبر كما قالت ضاق ذعرًا بالمكوث هنا أنا لازلت أمكث و أمجد الحقيقة التي ترقص وسط بركة زئبقية لا أجد بد من متابعة سرابها على طول الطرق المكفهرة ومجاري المياه الآسنة التي تحيط بالمدن والأنهار ذات الجريان المستحي من الزمن
قالتْ في نهاية الأسطر الأولى: لا أكف من البكاء المر وأنا أرى حرث الأرض ومحراث جدي الخشبي لوحة أعلقها على جدران القلب وخبز التنور الطيني الناضج يوزع عافية الحب أحار حقا في ربط خطوط لوحة الماضي بحاضر القتل المجاني في شوارع المدن
سيدي بالأمس الأمس الفائت فقط راح ستون شابا ابتلعتهم بركة من دماء مخلوطة بالمياه الآسنة وترك كل واحد منهم دفتر خواطر حالمة بأراجيز اللقاءات والحياة حتى ازدادت حيرتي في ربط خيوطها بتلك البركة الزئبقية ورحت أجهز مستلزمات الرحيل الأول ونسيت أني أنثى والأنثى ليس كالذكر حاولت جادة شتم جدي أو أبي ولم أنس أن الشتيمة لوحة خارج لوحة ظلت بدون إطار من زمن طويل وتُركت على أطراف طريق تائه لا يسلكه إلا الخائبين حاولت أن ألبس إطار لوحة الذكر وأنا أنثى ودار بخلدي أن أكون قاب قوسين أو أدنى من الذكر واشتعلت اللائمة بدخان أسود وبدل الإقتراب من المخرج اسودت ملابسي الذكورية بدخان اللائمة حملت عجزي أطارد الريح في شوارع بدت مهجورة
لا تكن أحمق كان أخر الأسطر الذي تكلمت فيه بِنية جادة وأضافت كلنا حمقى وعُلقتْ بالصدفة أكتافنا بكلابات أذيال الحقيقة ونحن ندور في الفسح المظلمة حتى نلج أبوابا لا ندرك متى نرى بصيص نور في أخر نفق ٍقيل عنه يرتع فيه المنافقون ويتناسلون دون إناث وقيل هو دار العقم ...
وإذا كنتِ كما زعمتِ من مسافاتك البعيدة حاولي أن تبتعدي فأنا بدواعي أخرى سوف اقترب واقمط كل شاب يموت في شوارع المدينة بدموع أنثى مخصبة بإكتناز الأمل تحت لائحة حقوق المرأة ثم أطوي تحت جنح الظلام كل لافتات المدن ولوحات الحزن وأخفف من الصبر الذي ضاق ذعرًا من الصبر نفسه وأظل أحلم أن أموت بكامل جسدي أتعفر بتراب مدننا الحبيبة وأنا متأكدة إن الليل الضرير ملاذ الغرباء الأبالسة سوف يطرد بفجر أبيض


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق