الثلاثاء، 2 سبتمبر 2025

عرش الورق / بقلم / سيد حميد عطاالله

 مسرحية رمزية: عرش الورق

بقلم: سيد حميد عطاالله الجزائري
المكان: قاعة فسيحة تضيئها مصابيح باهتة، معلقة بخيوط من عرق الشعوب.
الجمهور: وجوه متعبة، صامتة، تمثل الشعوب التي تراقب الصراع بعيون مثقلة.
الطاولة: مستديرة، في وسط المسرح، تتوزع حولها الكراسي.
المشهد الأول – الدخول
تدخل العملات واحدة تلو الأخرى، في هيئة بشرية–رمزية
اليورو: أنيق، يرتدي بدلة زرقاء وربطة عنق ذهبية، يتكلم بلسان القارة العجوز.
الين: قصير، صامت، ينحني بوقار كأنه طقس قديم.
الروبل: ضخم، متجهم، يحمل مطرقة صغيرة بيده.
الليرة: هزيلة، ترتجف، ثوبها مثقوب كأنه من قماشة الفقر.
الريال: متخم، تلمع عليه بقع الزيت الأسود.
اليوان: طويل، يمشي كبرج حديث، ملامحه توحي بالثقة والتحدي.
العملات الصغيرة :الدينار، الجنيه، الدرهم : يدخلون بثياب بسيطة، يضحكون بمرارة.
يدخل الدولار متأخراً، يرتدي تاجاً ورقياً، يجلس في صدر الطاولة بلا استئذان، والجميع يحدق به بصمت.
المشهد الثاني – إعلان العرش
الدولار (متكبراً):
"أنا الإمبراطور الورقي،
لا تشرق الشمس إلا بإذن مني،
ولا تغيب إلا إذا سمحت.
أنا عرش العالم،
بي تُدار الحروب،
وبأرقامي تنحني الأسواق والديون."
اليورو (ساخراً):
"أيها المتباهي،
أنا ابن اتفاق القارة العجوز،
ألواني زاهية وتنوعي واسع،
ومع ذلك لا أصرخ كديكٍ يظن أن صوته يوقظ الشمس."
الين (بهدوء):
"أنا الصامت،
أعرف قيمة العمل،
أنحني قليلاً كغصن قصب،
ثم أعود أصلب منكم جميعاً."
الروبل (يضرب الطاولة):
"كلكم أبناء المدافع!
أما أنا فأبيع البردَ طاقةً،
وأجعل العالم يرتجف من شتائي القاسي."
الليرة (بصوت مرتجف):
"كلما ارتفعتَ أنتَ،
هوَيتُ أنا في التراب.
صرتُ أُباع في الأسواق كالخردة،
أنا ضحية نزواتكم."
الريال (غاضباً):
"ونفطي أسيرك أيها الورق الأخضر!
تنزف أرضي ليزداد جيبك تخمةً،
ثم تتركني مثقلاً بالقيود."
العملات الصغيرة (بصوت جماعي):
"صرنا أيتاماً على موائدكم،
فتاتٌ من أعراسكم،
لا قيمة لنا إلا بما تسمحون."
المشهد الثالث – صوت الشرق
اليوان (ينهض، صوته عميق):
"أيها الورق الأخضر،
المجد لا يُبنى بالتخويف، بل بالعدل.
أنا لست عرّافاً،
لكنني أقرأ الغد كما تُقرأ الأرقام.
التكنولوجيا لم تعد حديقتك المغلقة،
لقد نبتت في الشرق كأرزنا،
وتصاعدت أبراجها كغيومنا.
أطعموا الفقراء… تربحوا.
أما من يكدّس الخوف،
فسيهوي مع أول ريح تكشف ضعفه."
الدولار (مستهزئاً):
"أنت برجٌ هشّ من زجاج،
أما أنا فعرشي من خوف،
والخوف أصلب من الفولاذ."
اليوان (بابتسامة هادئة):
"الخوف لا يورق خبزاً،
والورق الذي لا يكتب حياةً… يموت.
أتذكر انهيارك القديم؟
كان جلطة في شرايينك، جلطة نقدية،
وقد تعافيتَ، نعم…
لكن الشيخوخة تكشف كل عرشٍ كاذب."
(يتبادل الروبل والين النظرات، يتهامسان:)
"لم يعد الدولار إلا سفاحاً متخفياً بلون أخضر."
المشهد الرابع – مواجهة الحقيقة
العملات الصغيرة (بصوت واحد):
"نراه يتكئ على عكاز الديون،
يمشي مثقلاً بالغرور،
لكن خطواته ترتجف كما يرتجف عجوز فوق أرض رخوة."
يصمت الجميع، ينظرون إلى الدولار الذي يرفع تاجه الورقي.
الدولار (يصرخ):
"الناس لا يحبونني…
إنهم يخشون غداً بلا وجهي!
وهذا يكفيني لأبقى إمبراطوراً."
المشهد الخامس – الضحكة الأخيرة
إظلام تدريجي، ثم ضوء خافت يلمع في آخر القاعة، ضحكة ساخرة تتردد كأنها صدى الأرض نفسها.
الراوي (من خارج المسرح):
"ليست ضحكة عملة…
إنها ضحكة الإنسانية المقهورة،
تسخر من أوراقٍ تتقاتل فوق عظام الجياع."
تسقط المصابيح الباهتة واحدة تلو الأخرى… ويسدل الستار.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق