على هوامش القراءة
القراءة هي تجريد الكاتب من ملابسه. ليس جسديًا، لا، بل اكشف حقيقته ، من دون كلماته التي يختبئ خلفها، ومن دون اقتباساته العلمية التي تخلق ستاراً دخانياً. خذ أسلوبه، وتركيبه النحوي، وجمله الفرعية الفاخرة .. وسوف ترى ..لن يبق إلا جلد مدبوغ ، وندوب محفورة. أما إذا استمعت إليه حقًا، فلن يخبرك عن الجروح الغائرة ، تلك التي تنزف تحت الأضواء .. فلا هو يحتفظ بها للآخرين، ولا للروايات، ولت للخطابات الجميلة.. بل يحتفظ بها لنفسه .. وما يخبرك به فهو ذلك النذر القليل ، غير المرئي تقريبًا ، ذلك الخدش الذي تبقى من لا شيء على الإطلاق، إنها تلك الحروق بعد فعل النسيان ..
أما أن تكون كاتبًا متميزا أو قارئا متمرسا فهي ليست مسألة موهبة، بل هي مجرد تلميع لصالونات الأدب. إن الأداة الحقيقية الوحيدة هي الذاكرة .. ليس من يمدح كمن ينظم أو كمن يخدش دائمًا .. وليس الألم هو الذي يكتب ، بل التفاصيل هي التي تقضم .. تلك النظرة التي لن ننساها أبدًا ، تلك الجملة التي ألقيت مثل صفعة في ممر مهجور، تلك اليد التي لدغت وسحبت نفسها بسرعة كبيرة.
إننا نكتب لأننا لم نتمكن من المضي قدمًا. لأن الزمن لا يشفي شيئا .. وإنما يقوم فقط بتلميع الحواف .. وما الكاتب إذن إلا حيوان جريح يتظاهر بالحديث عن شيء لكنه يقصد شيئا آخر. وعندما تحتك نفسه قليلاً وترتخي مع حروف الكلمات المنسكبة على الورق ، يكون قد عاد الى نفسه ويكون كل شيء قد عاد إلى حاله الأول وانتظم على شكل قطرات بطيئة سقطت على صفحات الكتاب ولوثتها .. لكن ، وعلى الرغم من ذلك ، فكلما كان الأثر على الورق صغيرا كلما الألم كبيرا .. لذلك أوصيك بالقراءة .. فاقرأ ثم اقرأ ، لأن الله أمر بالقراءة ..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق