الأحد، 10 نوفمبر 2024

يوم العبور / بقلم / هدي شوكت

 يوم العبور"، من أكتوبر عام 1973:

---
**يوم العبور**
في تمام الساعة الثانية ظهرًا من يوم الخامس من أكتوبر 1973، كان الجو هادئًا، لا شيء يشي بقرب وقوع حدث سيهز المنطقة والعالم بأسره. في المقر المتقدم لقيادة الجيش الثالث الميداني قرب السويس، جلس سيادة اللواء مهاب منير، قائد مدفعية الجيش، يتأمل خريطة المواقع العسكرية على اللوحة أمامه. كانت المواقع مرسومة بدقة، تظهر أماكن الجيشين الثاني والثالث، وموقع العدو على الجانب الشرقي من القناة. حدق الضباط في ساعة كبيرة على الحائط تشير إلى الثانية إلا ربع، وبقلوب مملوءة بالشجاعة والترقب، كانت الأنفاس محتجزة في انتظار لحظة البداية.
أمر اللواء مهاب أحد الضباط بجمع التقارير وتحليلها، عازمًا على مراجعة كل تفصيلة بدقة. كان قلبه يعزف لحن النصر، وشعر بأنه يكتب تاريخًا جديدًا بأحرف من نار. وفي الساعة الثانية ظهرًا، حين دقت ساعة الصفر، انطلقت مدافع الجيشين في سيمفونية مدوية، تصدح على طول الجبهة، تدك حصون خط بارليف، في مشهد لم يسبق له مثيل.
بدأ العبور بالخداع، فقوراب صغيرة مغطاة بالدمى تُدفع نحو مياه القناة للتحقق من سد فوهات أنابيب المواد المشتعلة التي نصبها العدو لمنع العبور. كانت تلك الأنابيب تهدد بإشعال سطح القناة وتحويل القوارب إلى رماد. ولكن، بفضل براعة رجال المهندسين العسكريين، أُحبطت خطة العدو، وسُدت الفوهات بأمان.
وعلى أثر ذلك، تحركت وحدات المهندسين ومعها فرق قنص الدبابات لتعبر القناة وتثبت مواقعها على الضفة الشرقية، متهيئةً لصد أي هجوم مدرع من جانب العدو. ومع إشراقة الساعة الثانية بعد الظهر، بدأت عملية "بدر" العظيمة؛ عبور الجيش إلى الضفة الشرقية، في الوقت ذاته الذي شن فيه الجيش السوري هجماته على الجولان.
وفي اللحظة التي وصلت فيها إشارة البدء، دوى صوت جندي يهتف "الله أكبر"، ليملأ صداه أرجاء القناة. تسارعت قوارب المشاة، تتوجه بأسلحتها نحو الشاطئ الشرقي، يتسلقون الساتر الترابي بسلالم الحبال، ويقتحمون حصون بارليف.
سأل اللواء مهاب القادة عن حجم الخسائر في صفوف قواتنا العابرة. جاءه الرد سريعًا بأن الحصر جارٍ وسيتم إعلامهم بالتفاصيل فور انتهائه. أصدر اللواء أركان حرب عبد المنعم، قائد الجيش الثالث، أوامره بحصر الخسائر ومعرفة عدد المعابر التي تم إنشاؤها حتى اللحظة. إلا أن الإجابة جاءت محبطة: لم يُنشأ أي معبر حتى الآن.
استشاط اللواء غضبًا، وسأل: "كيف للجيش الثاني أن ينشئ عشرات الكباري ويعبر منذ ساعات، ونحن هنا لم ننجز شيئًا؟" أجابه أحد الضباط بأن طبيعة التربة الصعبة كانت السبب، لكنها لم تمنع المشاة من العبور ومواصلة المعركة، حاملي أسلحتهم المضادة للدبابات، وقد نجحوا في التصدي للعدو.
وبعد جهودٍ مضنية وتحدياتٍ كبرى، تم إنشاء أول جسر على القناة، وعبرت المدرعات والمدفعية الثقيلة المصرية، لتتصاعد المعارك والانتصارات على طول الجبهة. وبينما كانت الفرحة تكتمل في قلوب الجنود، وصلت أنباء عن نية الجيش الإسرائيلي مهاجمة القوات المصرية من الجانب الأيمن عبر عيون موسى.
وقف اللواء مهاب ينظر إلى رجاله، وفي عينيه يلمع تصميمٌ وعزمٌ لا يُثنى. كانت المعركة قد بدأت، وكانوا على أتم الاستعداد للمواجهة، إيمانًا منهم بأن النصر أقرب من أي وقت مضى.
---
بهذه القصة، تمثل تلك اللحظات التاريخية العظيمة التي لا تزال تُخلّد في ذاكرة الأجيال
بقلم الأدبية المصرية
هدي شوكت


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق