ضائعٌ بين أقرانه الجــزء الثّاني (15)
-----------------------------
في البداية لم أصدّق أنّني عدتُ من الرّحلة الفريدة إلى الحياة المملّة. ولم أكن لأتخلّى عن جواز السفر الذي لم يفارق جيبي منذ اليوم الأوّل وفي قرارة نفسي: ”إنّي أحاول بأيّ طريقة العودة إلى تلك البلاد التي غيّرت نظرتي إلى الحياة“.
وباتت بالنسبة لي مسألة وقت فحسب، ولم أكن أعلم أن والدتي ـ رحمها الله وطيّب ثراها ـ قد تنبّهت إلى أمري؛ (شعور الأم الصّادق)، لكنها بقيت المسكينة تتحيّن الفرصة كي تطلعني على رفضها القاطع لمجرّد التفكير في الهروب إلى الخارج وتركها وحيدة تصارع مشاعر الحزن وألم الفراق، ولعلّني أرجع إلى رشدي وأتخلّى عن قراري، ولكنّها في الأخير لم تستطع مقاومة مخاوفها، وأرسلت إلى أحد أخوالي الذي أعطاني درسا في البرّ والأخلاق.
حاولتُ في البداية أن أبدو حازما قدر الإمكان، سيّما وأن الأمر يتعلّق بمستقبلي وو.. ولكنّني بمرور الوقت، و أمام توسّلها وإصرارها الكبير، تخلّيتُ عن الفكرة. وكان ذلك قرارا حكيما، حتى وإن كنتُ يومها في سن يغلب فيها الطيش والنّزق على الحكمة ورجاحة العقل.
كنتُ يومها انتظر الاعلان عن امتحانات شهادة البكالوريا، باعتبارها فرصة العمر الأخيرة، وكان ذلك من بين الأسباب التي شجّعتني على العدول عن فكرة الهروب.
ولا تحدثني عن شعوري بالسّعادة التي لا توصف في تلك الأثناء، وأنا بذلك المظهر الجديد الذي لم أقدر على تغييره، والنّسيم يداعب قصّة شعري ”الترافولتية“؛ وكنّا في تلك الأيّام نسخر من بعضنا في الثّانويّة بالقول: ”الفلسطيني يقاوم والجزائري يقلّد ترافولتا“: -(Le palestinien se révolte et l'algérien se travolte)-
كنتُ أمشي بحذر في الطّريق خوفا على قصّة شعري، وعلى حذاء ”البلاديوم“ الأبيض، و ”النمر الذهبي“ على قميصي المزركش يكشّر عن أنياب ”فولاذية“، يرعب الناس من حولي فيفسحوا لي الطّريق.
بقيتُ على تلك الحال أيّاما وأنا بين اليقظة والخيال، أحلم بالحياة الورديّة. أروي تفاصيل ما رأيته خلال رحلتي التي لم تدم سوى بضعة أيام، للمهتمّين من أصدقائي المعجبين، أزيد عنها أشياء من عندي… إلى غاية حلول موسم الخريف؛ موسم الكد والجد، منذرا بقدوم موسم الدّراسة.
يتبع...
م. فوزي مصباح

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق