الاثنين، 23 سبتمبر 2024

وِحدتي أُنْسِي / بقلم / عارف تكنة

 السلام عليكم ورحمه الله وبركاته

يسعدنا أن نقدم لكم قراءة ونقد د.عارف تكنة لقصيدة الشاعر علي الميساوي
والتي تم نقدها في برنامج قصيدة تحت المجهر احببت أن انشر كل قراءة على حده
اليكم قراءة د.عارف تكنة
قراءة في قصيدة ((في (وِحدتي أُنْسِي))
بعيدًا عن الرؤية الفلسفية التي ساقها (أرسطو) في وحدة الفنون بمحاكاة الطبيعة والحياة، ربما يسعفنا المنهج التأثري حيال ذلك.
يكشف النص (المنثور) عن حالة نأَيٍ مجانبة بعيدًا عن ضوضاء الحياة التي ربما عايشها الشاعر، أو عايشها غيره. فيلتمس من النقائض ملاذًا له، لذا اتخذ عنوانًا:
((في (وِحدتي) أُنْسِي))
هذه الحالة الوجدانية النفسية ربما تترجم مقولة: "رب ضارة نافعة". فربما يجد سلواه في وحدته. فبرغم السلوى، إلا أنها لم تكن خاليةً من بعض الضجيج النابع من تحاورِ النفس والعقل المقاوم بالحُجَّة. فيرسم القلم ما يلي:
(لكنّ العَقل مُشكلتي،
يُقاوِمُني
يُحاجِجُني،
يَرتَدُّ و يَبسُل...).
والحال كذلك، فالشاعر في ظِلِّ حالة التباعد هذه، لم يسلم ولم تسعفه حالة الانزواء. فقد تشَظَّى جزرًا تضج بأصوات الطيور والأدغال وهدير الأمواج. يمثل ذلك بالصورة التالية:
(أَتَباعَدُ جُزُرًا،
والمُحيطات تتلقّى بعضًا مِن
كُلّي..
في جزء تستوطن أطيارٌ
وفي أخرى تَنبُت أدغال،
و الموج يُعلي و يُسفِل..
ستَسكنُني ضجّةٌ)
هنا نتساءل: لماذا أشار الشاعر إلى ما تستوطنه الطيور (أطيار) ؟!. ربما المعنى في عمقه. إذ نلحظ بعضًا من التناقض. فالطيور تحمل بشارات السلام - إلا إن كانت طيور شُؤم - بخلاف النسور. هنا ربما لدى الشاعر صورة ذهنية أعمق مما اهتدينا إليها.
إزاء ذلك، يرسم الشاعر لوحة تستحق الوقوف عندها. ففي مسرح الأحداث، ومازال العقل يحاور النفس، فقد جعل له صحبة معنوية من السقم والتيه والشوق. فيتغني بدمع مسكوب. فالمد والجزر يخلقان صوتًا كالطبل، بمعزوفة من هزيز الريح كصوت الناي الحزين:
(أشْدو،
والمَدّ والجَزْر طَبلٌ،
و الريح نايِي،
والدمع سُقيِي)
ينقلنا الشاعر إلى مشهدٍ من التراتيل والسجود و(التنقل بلا قدمين) في إشاره إلى انتقاله بخياله إلى آفاق أرحب. يستدعي حالة فارقت ماديات الحياة الملموسة ليسمو بنفسه:
(وأرتّل آيات الغربة،
وعلى ظَهري أسجدُ،
وبِلا قدمين أنتقلُ)...
يعود الشاعر مرة أخرى قبل أن يسدل الستار، ليصور مشهد الضجيج. فربما أراد أن يرسل رسالة مفادها: لا فكاك من حالة الضوضاء. فحتى لو ملكَ مالَ قارون، لم يغنه ذلك في ظل ما يعانيه:
(في وحدتي
أحسب أرزاقي
فإذا أنا قارُون،
نُوقي في إبِطي تَرعَى،
و أغنامي تَرتَع
والذئب يَحرُسها...
والخيل تَضبحُ في كبدي،
والصّدرُ لِلكُلّ إسطبلُ...
و ثَريدُ بالعَسَل نضُج).
ثم يذهب الشاعر إلى أبعد من ذلك. إِذ إن حالة اللاوحدة هذه، تظل ملازمة له حتى عند قبره:
(ومِن قبري صنعوا مائدةً
واجتمعوا كي يَدعُوا
لي بالجنّه،
و يَختلِقوا لي من وِحدَتي
أُنْسًا).
ختامًا، أود الإشارة إلى النقاط التالية:
أولًا: النص في مجمله يستحق الإشادة. من حيث الصورة الذهنية المصاحبة، التجسيد، والبناء والتركيب. عدا الانتقالات من مشهد لآخر.
ثانيًا: حيث إن المشاهد التي رسمتها كلمات الشاعر تؤكد أن لا أنس في وحدته. لذا، فمن الأوفق أن يتخذ عنوانًا مثل: (( ظَنَنْتُ في وَحدَتِي أُنْسِي )) أو (( حَسِبتُ في وَحدَتِي أُنْسِي )).
ثالثًا: وردت كلمة (وِحدتي) في ثلاثة مواضع بكسر حرف الواو.
فالأصوب عندي: (وَحدتي). بفتح حرف الواو. حيث إن كلمة (وَحْدَة) تعني فيما تعني، الانعزال والانفراد. وهي مصدر كل من الفِعْلَين: (وَحَدَ)، و(وَحِدَ).
قصيدة الشاعر الأستاذ علي الميساوي
Raji Afwallah∆∆∆ في وِحدتي أُنْسِي ∆∆∆
في وِحدَتي
أتَفَكّكُ إرَبًا إربًا
و كيف في قسمتي أعدِل؟
الجُثّةُ تَتَوَزّع أرطَالا،
لكنّ العَقل مُشكلتي،
يُقاوِمُني
يُحاجِجُني،
يَرتَدُّ و يَبسُل...
أَتَباعَدُ جُزُرًا،
والمُحيطات تتلقّى بعضًا مِن
كُلّي..
في جزء تستوطن أطيارٌ
وفي أخرى تَنبُت أدغال،
و الموج يُعلي و يُسفِل..
ستَسكنُني ضجّةٌ،
وإليّ يأوي الصّمتُ
و أنا دون مأوى،
والريحُ رأسي تَنتعِلُ
في وحدتي
أخلق لي صَحْبًا،
السُّقمُ والتًيه و الشوق،
و حُروبٌ فيَّ تَشتعلُ...
أشْدو،
والمَدّ والجَزْر طَبلٌ،
و الريح نايِي،
والدمع سُقيِي
و أرتّل آيات الغربة،
وعلى ظَهري أسجدُ،
وبِلا قدمين أنتقلُ...
في وحدتي
أحسب أرزاقي
فإذا أنا قارُون،
نُوقي في إبِطي تَرعَى،
و أغنامي تَرتَع
والذئب يَحرُسها...
والخيل تَضبحُ في كبدي،
والصّدرُ لِلكُلّ إسطبلُ...
و ثَريدُ بالعَسَل نضُج
ومِن قبري صنعوا مائدةً
واجتمعوا كي يَدعُوا
لي بالجنّه،
و يَختلِقوا لي من وِحدَتي
أُنْسًا.....
Raji Afwallah
شكرا د.عارف تكنة على هذه القراءة الوافرة والمتعمقة للقصيدة
كما نشكر الشاعر علي الميساوي الذي أتاح لنا فرصة وضع قصيدته تحت المجهر


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق