امرأة من بلدي ( 1 )
انطلق من بيت المختار ، متجها جنوبا ، فقد بقي بيت منفردجنوب القرية ،لم يسجل
في دفتر الاحصاء. استلم الطريق الترابي الوحيد، الصهديهبط من السماء ويتصاعد من الأرض ، والتراب الناعم
يثور تحت قدميه ليشكل حاجزا ضبابيا يشعره بالضيق . الساعة الثامنة صباحا ، والشمس تسلط سهامها على رأسه المكشوف، اذ لم يكن يرتدي أي غطاءواق يحميه من هذا الجحيم، قال في نفسه : انه آب اللهاب ، اذ غالبا ماتكون شمس الصباح تكوي كيا ،في هذا الشهر.كان في بداية العقد الثالث من عمره، معلم ابتدائي ،يريد أن يبني حياته ، وقد اتته هذه المهمة ،لتضيف بعض النقود لراتبه القليل ، كاد الشعور بالوهن أن يسيطر عليه ، ولكنه غذ السير اذ اعتقد أنه من الأفضل أن يسرع ، كي لايتعرض فترة طويلة لأشعة الشمس، سرح مع أفكاره التي قادته باتجاهات مختلفة ... أهله الفقراء ،مستقبله ،شريكة حياته ، كان يتنقل من فكرة الى أخرى ،بحيث نسي حرارة الشمس المتدفقة دون رحمة ، ولم يشعر الا وأصبح موازيا للبيت المقصود، انعطف الى الغرب ،ثم الى الشمال ، واجهه بيت ريفي، يتألف من غرفتين ، وفرندة عريضة تتصل يفسحة ترابية،تسرح بها عشرات الدجاجات البلدية المزركشة ، ومن الجهة الشرقية ،تنتصب شجرة توت وارفة الظلال ، وتحتها كرسي مقلوب من القش ، وقد وضع فيه طفل صغير ،ينوس نائما، والذباب يغطي قسما من وجهه وعينيه ،التفت الى الغرب ، هناك امرأة رشيقة القد أمام تنور مشتعل ، ترق الأرغفة بنشاط وتلقمها للتنور ، لم تنتبه لوجوده في البداية ، لكن يظهر أنها شعرت بعينين ترمقانها ، فالتفتت بسرعة ، لتجد شابا ينظر اليها بشغف ، اندفعت الى مجموعة من الكراسي الصغيرة في الفسحة ،وأحضرت كرسيا قدمته له قائلة : صباح الخير، أهلا وسهلا بك ، لم يبق عندي الاعدة أرغفة ،تفضل ،استرح . وجه أبيض زرعت فيه نار التنور وردتين على خدين أسيلين ، عينان عسليتان تشغلان مساحة واسعة من وجه جميل مستدير ، وحبات من العرق تغطي الجبين والوجه ، وتلتمع كاللآلئ تحت أشعة الشمس ،جسم لدن يميل الى الامتلاء ،يظهر مفاتنه وهي تسير . جلس ساهما ،مرتبكا ،شعر بالاحراج ، فيدأ يكش الذباب عن وجه الصغير الذي استيقظ ، وبدأ ينظر اليه باستغراب وخوف ، داعبه قليلا ، مسح له وجهه بمنديل ورقي أخرجه من جيبه ، ابتسم الطفل ،وبدأ يألفه شيئا فشيئا. حملت الطبق المملوء بالأرغفة، ودخلت احدى الغرف ، ومالبثت أن خرجت ،رشقت وجهها رشقات متتابعة من وعاءفي الفسحة ، تاركة الماء يبلل صدرها، رفعت طرف فستانها الطويل ونشفت بسرعة وجهها ثم يديها،وهي تدلف الى الداخل مرة أخرى ، تأخرت حتى بدأ الضجر يتسرب اليه ! خرجت تحمل طبقا مصنوعا من القش ، وبيدها ابريق الشاي ،تسير بتؤدة ، وتضاريس جسدها تشي بجمال شهي ، أحضرت كرسيا وضعت عليه الطبق ،(خيي هذا فطورك ....تفضل ) قالتها وابتسامة مشرقة أخاذة تملأ الوجه الطيب ، نظر اليها ثم أطرق ، وقد شعر بخجل داخلي يجتاحه بقسوة ،بشىءيتحطم داخله،أحس بأنه ارتكب اثما ، قال :لست بجائع ، لن تذهب قبل أن تأكل من هذا البيت . قالت ،أخذت طفلها، وجلست منحرفة عن مسار نظره قليلا، وسلمت صدرها لطفلها الصغير ، الذي بدأ يرضع بنهم .أكل قليلا وشكرها دون أن ينظر اليها ، أرجعت طفلها الى الكرسي ،حملت الطبق ، ثم عادت بدفتر العائلة ، سجل المعلومات المطلوبة عن الأسرة وعن الحيوانات وعن الانتاج الخ.... أعاد دفتره الى الحقيبة القماشية . سألته من أي بلدة أنت ؟ أجابها ،أخي مقيم عندكم ،مااسمه؟ .عرفه ذكر لها : أنه يقيم بالقرب من داره وأنهم يسهرون سوية كل يوم تقريبا, تلولب الخجل داخله ، حاول جاهدا أن يخفي ارتباكه ، كانت تتصرف بشكل عفوي ، عرف أنها تقرأتفكيره ، ومع ذلك تصرفت كأنها لا تعرف شيئا . نهض مودعا ، وقع نظره على دكة التنور ، فوجد أرغفة ! قال لها :لقد نسيت الخبز ،ودون أن تنظر ،قالت :لم انسها ، انها لانسان جائع ، لحيوان شريد، لطير كسير . هجمت قشعريرة باردة شملت جسده كله ، حمل حقيبته ، اتجه الى الشرق ، ثم الى الشمال ، مستلما الطريق الترابي ،
وهو يرددبغصة ...انها سورية.
الثلاثاء 16/8/2016
منذر حنا

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق