ثقافة أنصاف الحلول،،!!
" لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين "
بقلمى : د/علوى القاضى.
... قال الشيخ عطية سالم في تفسير أضواء البيان للشيخ الشنقيطي :
. . حينما طلب كفار مكة من النبى صلى الله عليه وسلم أن يعبد ٱلهتهم يوما وهم يعبدون إلٱهه يوما بالتبادل فأنزل الله هذه السورة : " قل ياأيها الكافرون ..."
. . والمتدبر للقرٱن يجد أن في هذه السورة منهج إصلاحي فى حياة المسلم الوسطى ، وهو عدم قبول أنصاف الحلول ، لأن ماعرضه الكفار علي النبى ﷺ من المشاركة في العبادة ، يعتبر في مقياس المنطق حلًا وسطًا لإحتمال إصابة الحق في أحد الجانبين ، فجاء الرد حاسمًا ومحذرا وزاجرًا وبشدة ، لأن فيه مساواة للباطل بالحق ، وفيه كذلك تعليق المشكلة ، وفيه أيضا تقرير واعتراف بالباطل ، هذا فى حالة إن وافقهم النبى صلى الله عليه وسلم ولو للحظة
... والباحث فى علم النفس يجد أن أنصاف الحلول من الفطرة الإنسانية لإختلاف الأذواق والأمزجة وتباين المواقف والأحداث ، فردود أفعال البشر تختلف من شخص إلى ٱخر عند التعرض لنفس الموقف
... مثلا تتباين ردود أفعال الأفراد في تفضيلاتهم للطعام ، وطريقة تناوله ، مثلًا عندما يُوضع أمام المرء صنفان من الطعام لايستساغ خلطهما ، فإن الناس تنقسم لثلاثة أنواع :
. . الأول من يبدأ بالصنف الذي يحبه أكثر ، لأن الدنيا قصيرة واللقمة تكون في يدك ثم تُقسم لغيرك
... بينما يبدأ النوع الثاني بالصنف الأقل حبًا له ، ويدخر الأجمل للنهاية ، والصبر هو مفتاح الفرج
... الثالث يفضل أنصاف الحلول وهو أن يأكل الصنفان معا بالتناوب
... وهناك نوع من الناس لا يطاوعهم ضميرهم في ترك حبة أرز واحدة في الطبق ، وهي ليست مسألة شراهة ولا حتى كراهية في التبذير ، وإنما شعور غامض أن المهمة ينبغي أن تنتهي ، وقد يتركون نصف الطبق أو لاشيء إطلاقًا
... لذلك قد تكون أنصاف الحلول صفة تميز ضعاف الشخصية الذين لايملكون القدرة على اتخاذ قرار محدد
... وهناك من يرى أن لكل صنف من الطعام هوية خاصة به ، وينبغي أن يتم تقديرها على حدة ، فلا يخلط أي طعام بالٱخر ، ويأكل الطعام بترتيب استحسانه لأصنافه
... بينما يرى آخرون أن هذا تعصب وتفرقة على أساس غير سليم ، فكل الطعام سواسية والخلط يضيف للمجموع ما لم يكن للأصناف فرادى ، يخلطون كل شيء بكل شيء ، ويصبح الطعام عبارة عن تشكيلة جديدة غير مستساغة
... وهناك من يرى في الطعام تجربة لاينبغي الخوض فيها وحده ، ولابد من مشاركتها مع من يحب ، وقد قرأت أن سيدنا ابراهيم عليه السلام لم يكن يأكل وحده أبدًا ، كان دائما يدعو الغرباء إلى مائدته ، وكان ينتظر إن لم يجد أحدًا ، ولذاك فإن مشاركة الطعام تجعل منه تجربة روحية تقوى الشهية بشرط ألا يتطاول أحدهم على حصة الٱخر
... إذن أخى الكريم حدد هدفك وتجنب أنصاف الحلول
... فلاتجالس أنصاف العشاق ، ولاتصادق أنصاف الأصدقاء ، ولاتقرأ لأنصاف الموهوبين ، ولاتعش نصف حياة ، ولاتمت نصف موت ، ولاتختر نصف حل ، ولاتقف في منتصف الحقيقة ، ولاتحلم نصف حلم ، ولاتتعلق بنصف أمل
... وإذا صمتّ فاصمت حتى النهاية ، وإذا تكلمت فتكلّم حتى النهاية ، لاتصمت كي تتكلم ، ولاتتكلم كي تصمت
... وإذا رضيت فعبّر عن رضاك ، لا تصطنع نصف رضا
... وإذا رفضت ، فعبّر عن رفضك ، لأن نصف الرفض قبول
... واعلم أخى الكريم أن إختيارك للبقاء فى النصف يسمى النصف المميت :
.. وهو حياة لم تعشها ، وهو كلمة لم تقلها ، وهو ابتسامة أجّلتها ، وهو حب لم تصل إليه ، وهو صداقة لم تعرفها
... النصف هو ما يجعلك غريباً عن أقرب الناس إليك ، وهو مايجعل أقرب الناس إليك غرباء عنك
.. النصف هو أن تصل وأن لاتصل ، أن تعمل وأن لا تعمل ، أن تغيب وأن تحضر
.. النصف هو أنت ، عندما لاتكون أنت ، لأنك لم تعرف من أنت
.. النصف هو أن لاتعرف من أنت ، ومن تحب ليس نصفك الآخر ، هو أنت في مكان آخر في الوقت نفسه
... وتأكد أن نصف شربة لن تروي ظمأك ، ونصف وجبة لن تشبع جوعك ، ونصف طريق لن يوصلك إلى أي مكان ، ونصف فكرة لن تعطي لك نتيجة
... ودائما صارح نفسك وغيرك وقل أنا لاأميلُ إلى أنصافِ الحلولِ ولا أنصافِ المشاعرِ ، أبيض أوأسود ، أضحك إلى أنْ تتلألأ الدموع في عيني ، أو أحزن إلى أنْ أجهَشَ في البكاء ، أُمارِسُ مشاعري وكأنها اللحظة الأخيرة ، وكأنّه آخر لقاء فأطيل نظرة الوداع ، آخر حضنٍ فلنْ أُفلِتَك منّي ، آخر سجدةٍ فألوذ بها قبل زيارةِ ملكِ الموت ، الإفراط أسوأ عاداتي - والحمد لله عليه -
أعيشُ تاركًا للناسِ ظنونهم بي ، أنا ماأنا عليه لستُ كلامهم ، لا مَدحًا أضاف لي ، ولا ذَمًّا إنتقص منّي ، لاأحد يُسابقني ، ولا أُسابق أحدا ، وحدها حياتي وتجربتي ، وكتابي أملأهُ بما أشاء وأحيا صفحاته كما أشاء ، لستُ أفضل من سواي ، ولاهم أفضل منّي
... هو السترُ ياأخي رصيدنا من الله ليحتَمِلَ بعضنا البعض
... واعلم أخى يقينا أن النصف هو لحظة عجزك وأنت لست بعاجز ، لأنك لست نصف إنسان ، أنت إنسان وجدت كي تعيش الحياة ، وليس كي تعيش نصف حياة !
... تحياتى ...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق